بقلم .. المختارة فاتن حرب
الثامن من آذار… صوت المرأة الفلسطينية الذي لم ينكسر
في كل عام، ومع حلول اليوم العالمي للمرأة في الثامن من آذار، تحتفي شعوب الأرض بإنجازات النساء، وتستعرض مسيرتهنّ في النضال من أجل الحقوق والعدالة والمساواة. غير أن هذا اليوم، بالنسبة للمرأة الفلسطينية، وخصوصًا في غزة، لا يأتي محمّلًا ببهجة الاحتفال بقدر ما يأتي مثقلًا بأسئلة العدالة الغائبة، ونداءات الكرامة المؤجلة.
فهنا، في غزة، لا تقف المرأة على منصات التكريم، بل تقف في مواجهة واقعٍ قاسٍ صنعته سنوات طويلة من الحروب والحصار والانقسام. تحمل في ذاكرتها مشاهد الفقد، وفي قلبها قلقًا دائمًا على مصير أبنائها، وفي حياتها اليومية معركة صامتة من أجل البقاء.
المرأة في غزة ليست رقمًا في تقارير إخبارية أو إحصائية عابرة في نشرات الأخبار؛ إنها الحكاية الكاملة للصمود الفلسطيني.
هي الأم التي تحتضن أطفالها في ليالي الخوف، محاولة أن تخفي ارتجافة قلبها بابتسامة أمان.
وهي الابنة التي كبرت قبل أوانها، تحمل مسؤوليات أثقل من عمرها.
وهي الزوجة والأخت التي عرفت معنى الانتظار الطويل، والفقد المفاجئ، والحياة التي تتغير في لحظة.
لقد دفعت المرأة الفلسطينية ثمنًا باهظًا من أعمارها وأحلامها واستقرارها النفسي والاجتماعي. فالحروب المتكررة، والحصار الممتد، والانقسام السياسي الذي أنهك المجتمع، كلها عوامل عمّقت من معاناتها، وجعلت حياتها اليومية اختبارًا دائمًا للصبر والقوة.
ومع ذلك، لم تنكسر المرأة الفلسطينية.
بل وقفت، في أصعب الظروف، حارسةً للحياة؛ تعيد ترتيب تفاصيل يومها فوق الركام، وتزرع الأمل في قلوب أطفالها، وتصرّ على أن الغد يمكن أن يكون أكثر عدلًا وإنصافًا.
إن معاناة المرأة الفلسطينية اليوم لم تعد مجرد قضية إنسانية محلية، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لضمير العالم، ولمصداقية القيم التي يرفعها المجتمع الدولي حول حقوق الإنسان وكرامة الشعوب.
فالمرأة الفلسطينية لا تطلب امتيازات خاصة، ولا تبحث عن استثناءات، بل تطالب بحقوق أساسية كفلتها القوانين والمواثيق الدولية: الحق في الحياة الآمنة، والعيش بكرامة، والعمل والتعليم، وتربية الأبناء في بيئة خالية من الخوف والعنف.
وفي الثامن من آذار، ترتفع رسالة نساء غزة إلى العالم:
ليس طلبًا للشفقة، بل مطالبةً بالعدالة.
رسالة تقول إن المرأة الفلسطينية لم تكن يومًا ضحية صامتة، بل شريكة حقيقية في صمود المجتمع الفلسطيني، وحاملة لراية الأمل رغم كل الظروف.
وإذا كان هذا اليوم مناسبة عالمية للاحتفاء بالمرأة، فإن المرأة في غزة تحوّله إلى تذكير حيّ بأن الكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وأن العدالة لا تكتمل ما دامت نساءٌ في هذا العالم ما زلن يعشن تحت وطأة الخوف والحصار والحروب.
الثامن من آذار في غزة ليس يومًا للاحتفال فقط، بل يومٌ لتجديد العهد:
أن تبقى المرأة الفلسطينية، رغم كل ما مرّ بها، صوتًا للحق، ورمزًا للصمود، وأيقونةً للأمل… حتى يأتي اليوم الذي تعيش فيه كما تعيش نساء الأرض جميعًا، بحرية وكرامة وسلام.