الثقة بالنفس في علم النفس: رحلة الوعي وبناء القوة الداخلية
بقلم: د. علاء الدين محمد عبد العاطي
ليست الثقة بالنفس حالة نفسية عابرة أو شعورًا لحظيًا بالرضا، بل بناء داخلي عميق يتشكل عبر التجربة والانضباط ومواجهة التحديات، ويصنع شخصية قادرة على اتخاذ القرار بثبات والتفاعل الواعي مع تعقيدات الحياة.
تُعدّ الثقة بالنفس من الركائز الأساسية للصحة النفسية والنجاح الشخصي، إذ لا تقتصر على الإحساس الإيجابي بالذات، بل تمثل نتاج عملية نفسية مركبة من التعلم والخبرة والتكيف. وفي علم النفس، يُنظر إلى الثقة بالنفس باعتبارها قدرة الفرد على تقييم ذاته بواقعية، والإيمان بإمكاناته، والاستعداد لتحمّل نتائج قراراته دون تهرّب أو خوف مفرط.
أولى اللبنات الأساسية في بناء الثقة بالنفس هي الانضباط الذاتي. فالشخص القادر على تنظيم انفعالاته وضبط استجاباته العاطفية يصبح أكثر تماسُكًا في مواجهة الضغوط والأزمات. هذا التحكم الواعي بالمشاعر لا يعني كبتها، بل إدارتها بطريقة ناضجة تتيح للفرد التفكير بوضوح والتصرف بثبات، وهو ما ينعكس مباشرة على شعوره بالأمان الداخلي والثقة في النفس.
أما العنصر الثاني فيتعلق بـ المهارات المعرفية والتحليلية. فكلما امتلك الإنسان قدرة أعلى على فهم التفاصيل وربطها بالسياق العام، ازداد شعوره بالسيطرة على المواقف. هذا الفهم المعرفي العميق يقلّل من التردد والارتباك، ويعزز الثقة بالأحكام والقرارات، خاصة في المواقف المعقدة التي تتطلب تفكيرًا متزنًا بعيدًا عن الانفعال.
ويبرز اتخاذ القرار تحت الضغط بوصفه اختبارًا حقيقيًا للثقة بالنفس. ففي اللحظات التي تتقاطع فيها المخاوف مع المسؤوليات، يظهر جوهر الشخصية. وكل تجربة ناجحة في اتخاذ قرار صائب، حتى في ظل القلق وعدم اليقين، تضيف رصيدًا نفسيًا جديدًا يعزز ثقة الفرد بقدرته على مواجهة المجهول.
ومن المحاور الجوهرية كذلك الاعتماد على الذات. فإدراك الإنسان أن إنجازه لا يقوم على الصدفة أو الاتكالية، بل على كفاءته وجهده الشخصي، يغرس داخله شعورًا عميقًا بالمسؤولية والقدرة على الإنجاز. هذا الاعتماد الواعي لا ينفي أهمية الدعم الخارجي، لكنه يمنح الفرد استقلالية نفسية تجعله أكثر ثباتًا في تقلبات الحياة.
ولا يمكن الحديث عن الثقة بالنفس دون التوقف عند التعلم المستمر. فتنمية المهارات، وتوسيع دائرة المعرفة، وتطوير القدرات السلوكية والعقلية، كلها عناصر ترفع مستوى الكفاءة الذاتية، وتغذي الشعور بالثقة بشكل متجدد. فكل معرفة جديدة تُكتسب هي خطوة إضافية نحو الإحساس بالقوة والتمكن.
ومن منظور فلسفي-نفسي، يمكن النظر إلى الثقة بالنفس على أنها توازن دقيق بين الخوف والجرأة، وبين الوعي والمرونة. فهي لا تعني الغرور أو إنكار نقاط الضعف، بل الاعتراف بها والعمل على تطويرها. إنها خبرة تُصاغ عبر التجربة، وتتعزز بمواجهة العقبات لا الهروب منها.
وفي المحصلة، تصبح الثقة بالنفس مسارًا لبناء شخصية أكثر صلابة ووعيًا بذاتها، قادرة على التفاعل الإيجابي مع الحياة، واتخاذ قراراتها بثبات، وتحمل مسؤولياتها بثقة ونضج. إنها ليست نهاية الطريق، بل رفيق دائم في رحلة الإنسان نحو الاتزان والنجاح.
بقلم: د. علاء الدين محمد عبد العاطي
خاص – قناة المواطن