الساحة

عاجل
Home / أقلام / تصاعد التهريب يشدد الحواجز في القدس … كتبت أمينة خليفة

تصاعد التهريب يشدد الحواجز في القدس … كتبت أمينة خليفة

في الأسابيع الأخيرة، تصاعدت في القدس موجة من الأصوات الغاضبة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لجأ سكان المدينة إلى الفضاء الرقمي للتعبير عن استيائهم من تفاقم ظاهرة التهريب، التي يقولون إنها باتت تمس تفاصيل حياتهم اليومية بشكل مباشر.

ويبدو أن هذه المطالبات لم تأتي من فراغ، بل جاءت في أعقاب سلسلة من الإجراءات الأمنية المشددة التي فُرضت بعد رصد محاولات تسلل غير قانونية عبر السياج المحيط ببعض الضواحي، ما أدخل المدينة في دوامة من الحواجز والتفتيشات المعقدة.

وتعود شرارة التصعيد الأخيرة إلى إقامة حواجز إضافية في ضاحية البارد شمالي المدينة، في خطوة قالت الجهات المعنية إنها تهدف إلى الحد من عمليات التسلل، غير أن هذه الإجراءات، بحسب السكان، سرعان ما انعكست عليهم بشكل مباشر، إذ تحولت الطرقات إلى مسارات بطيئة، وامتدت طوابير المركبات لمسافات طويلة خلال ساعات الذروة، في مشهد بات مألوفًا ومثيرًا للأعصاب في آن واحد.

وتفاقمت حدة التوتر خلال الأسبوع الماضي مع تسجيل عدة محاولات تهريب لأفراد وبضائع غير مصرح بها عبر نقاط تفتيش مختلفة، أبرزها حادثة وقعت عند مدخل مخيم شعفاط، حيث تم اكتشاف شخص مخبأ داخل صندوق سيارة أثناء محاولة عبوره، وقد أثارت هذه الواقعة جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب خطورتها، بل بسبب تداعياتها الفورية على حركة المرور والإجراءات المتخذة بعدها.

وفي أعقاب الحادثة، جرى تشديد إجراءات التفتيش بصورة غير مسبوقة، شملت إغلاق بعض المسارات بشكل كامل، وإخضاع المركبات لتفتيش دقيق، وفتح صناديق السيارات بشكل روتيني، وهي خطوات وصفها السكان بأنها غير معتادة بهذا الشكل المكثف، وبدل أن تقتصر آثارها على المتورطين في محاولات التهريب، انعكست على آلاف العابرين يوميًا ممن يسلكون هذه النقاط للوصول إلى أعمالهم أو جامعاتهم أو منازلهم.

ومن الواضح أن هناك عدد من الأهالي يقضون ساعات إضافية على الحواجز خاصة في ساعات المساء قبيل الإفطار أو بعد صلاة التراويح، ما يجعل التنقل خلال شهر رمضان أكثر مشقة. فالشهر الذي يُفترض أن يكون موسمًا للسكينة وصلة الرحم، أصبح، بحسب تعبير بعضهم، “اختبارًا يوميًا للصبر” في ظل الازدحام الخانق والتدقيق المطول.

ويبدو أن الإجراءات المشددة، رغم تفهمهم لدوافعها الأمنية، تُطبق بصورة جماعية لا تميز بين مخالف ومواطن عادي، ما يولد شعورًا بالظلم والإرهاق، كما أن استمرار محاولات التهريب قد يدفع نحو مزيد من القيود، وبالتالي فإن المتضرر الأول في نهاية المطاف هو المجتمع المحلي الذي يجد نفسه عالقًا بين الحاجة إلى الأمن ومتطلبات الحياة اليومية.

وبالنسبة للتجار وأصحاب الأعمال، فإن التأخير المتكرر في التنقل يؤثر سلبًا على الحركة التجارية، خاصة في شهر يشهد عادة نشاطًا ملحوظًا في الأسواق، فالتأخر في وصول البضائع أو عزوف الزبائن عن التوجه إلى المتاجر بسبب صعوبة المرور يفاقم من حالة الركود، ويضع ضغوطًا إضافية على اقتصاد محلي يعاني أصلًا من تحديات متعددة.

ولا تقتصر المعاناة على الجانب المادي، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والإنساني؛ فالكثير من العائلات تشتكي من صعوبة زيارة الأقارب أو المشاركة في موائد الإفطار الجماعية بسبب الوقت الطويل الذي تستغرقه عملية العبور عبر الحواجز. ومع حلول العشر الأواخر من رمضان، تتزايد الرغبة في شد الرحال إلى المسجد الأقصى، إلا أن حسابات الوقت والازدحام تدفع البعض إلى التردد أو إلغاء خططهم.

وفي المقابل، تعالت عبر المنصات الرقمية دعوات صريحة لوقف محاولات التهريب التي يعتبرها الأهالي سببًا مباشرًا في تشديد الإجراءات، لذلك فإن أي سلوك فردي يعرض المجتمع بأسره لمزيد من القيود، لذلك من المهم وجود حلول تقلل من دوافع التسلل والتهريب بدل الاكتفاء بردود الفعل الأمنية.

وفي النهاية، يأمل سكان القدس اليوم أن تتراجع هذه الحوادث في أقرب وقت، بما يسمح بتخفيف الإجراءات وعودة الانسيابية إلى نقاط التفتيش، خصوصًا خلال ما تبقى من الشهر الكريم، فبين الحاجة إلى الأمن وحق الناس في حياة كريمة وتنقل طبيعي، تبقى المعادلة معقدة، لكن الأمل لا يزال قائمًا بأن يحمل رمضان معه انفراجة تخفف عن المدينة وطأة الحواجز، وتعيد إليها شيئًا من هدوئها المفقود.