مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً سياسية متزايدة، في ظل تقارير جديدة تعيد إلى الواجهة تفاصيل عن اتصالات سرية أجراها مع حركة حماس خلال حرب عام 2014، بعيداً عن علم عدد من كبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
وبحسب تقارير إعلامية عبرية، فإن نتنياهو استخدم خلال عملية “الجرف الصامد” رجل الأعمال الإسرائيلي شلومو فوغل كقناة اتصال غير رسمية مع القيادي في حماس غازي حمد، وذلك لإجراء محادثات مباشرة وسرية استمرت لأسابيع، في وقت كانت فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجري مفاوضات منفصلة عبر الوساطة المصرية.
حرب “الجرف الصامد” عام 2014
اندلعت الحرب بعد سلسلة من الأحداث المتصاعدة، بدأت باختطاف ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية في 12 يونيو/حزيران 2014، قبل العثور عليهم قتلى بعد 18 يوماً، حيث اتهمت إسرائيل حماس بالمسؤولية عن العملية، وهو ما نفته الحركة.
وفي 2 يوليو/تموز من العام نفسه، اختُطف الشاب الفلسطيني محمد أبو خضير في القدس وقُتل وأُحرق، ما أدى إلى تصاعد حدة التوتر.
وفي 8 يوليو/تموز، بدأت إسرائيل حملة جوية واسعة على قطاع غزة، فيما ردت كتائب القسام بإطلاق الصواريخ على إسرائيل، وأعلنت “معركة العصف المأكول”، بينما شاركت حركة الجهاد الإسلامي في المواجهة تحت اسم “عملية البنيان المرصوص”.
ومع استمرار القصف، دخلت مصر على خط الوساطة سعياً إلى التوصل لوقف إطلاق النار، إلا أن المفاوضات تعثرت في بدايتها، قبل أن توسع إسرائيل عمليتها في 17 يوليو/تموز وتبدأ هجوماً برياً على القطاع.
وركزت العمليات الإسرائيلية على وقف إطلاق الصواريخ من غزة، إلى جانب تدمير شبكة الأنفاق الممتدة من القطاع باتجاه الأراضي الإسرائيلية.
واستمرت الحرب 50 يوماً، وانتهت في 26 أغسطس/آب 2014 باتفاق لوقف إطلاق النار بوساطة مصرية، تضمن وقف الأعمال القتالية وتخفيف القيود المفروضة على قطاع غزة، وفتح المعابر أمام المساعدات، إلى جانب توسيع نطاق الصيد البحري قبالة سواحل القطاع.
ووفق حصيلة أُعلنت آنذاك، أسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 2250 فلسطينياً، غالبيتهم من المدنيين، فيما أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير 32 نفقاً، بينها 14 نفقاً امتدت إلى داخل إسرائيل.
كما تسبب القصف في دمار واسع في القطاع، حيث أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” بتضرر نحو 55 ألف منزل، بينها أكثر من 17 ألفاً و200 منزل دُمر بشكل كامل أو شبه كامل.
قناة اتصال سرية بعيداً عن المؤسسة الأمنية
وبعد مرور أكثر من 12 عاماً على الحرب، أعاد تقرير نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، استناداً إلى معلومات نسبت إلى مصادر وتقرير لصحيفة “معاريف”، فتح ملف الاتصالات السرية التي قيل إن نتنياهو أجراها مع حماس خلال تلك الفترة.
ووفق الرواية المنشورة، لم تمر الاتصالات عبر القنوات الرسمية المعتادة، وعلى رأسها الوساطة المصرية، وإنما جرت من خلال قناة مباشرة وسرية.
وبحسب التقرير، تولى رجل الأعمال الإسرائيلي شلومو فوغل نقل رسائل نتنياهو والتواصل مع غازي حمد، حيث كان نتنياهو يحدد الخطوط العامة للمحادثات، بينما كان يوسي كوهين، الذي كان يشغل حينها منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، يتولى صياغة الرسائل، قبل أن ينقلها فوغل إلى حمد.
وأشار التقرير إلى أن الاتصالات الهاتفية استمرت عدة أسابيع، بالتزامن مع وجود وفد أمني إسرائيلي في القاهرة للتفاوض على وقف إطلاق النار.
مسؤولون أمنيون يواجهون نتنياهو
وبحسب الرواية ذاتها، واجه عدد من كبار المسؤولين الأمنيين نتنياهو بشأن الاتصالات السرية، وطالبوه بتوضيحات حول تحركات فوغل، إلا أن رئيس الوزراء نفى في البداية وجود صلة مباشرة له بهذه الاتصالات، وطلب منهم التواصل مع رجل الأعمال ومطالبته بوقفها.
غير أن المسؤولين اكتشفوا لاحقاً، وفق التقرير، أن فوغل كان يتحرك بموافقة نتنياهو وتوجيه منه، بينما كان كوهين يصوغ الرسائل التي يجري نقلها إلى حمد.
وأثارت هذه القناة السرية، وفق ما نقلته “معاريف” عن مسؤول أمني لم تكشف هويته، صدمة واسعة داخل الأجهزة الأمنية، خصوصاً أن نتنياهو كان في الوقت ذاته قد أوكل إلى مسؤولين أمنيين مهمة التفاوض مع حماس في القاهرة دون إبلاغهم بالاتصالات الموازية.
هل تؤثر الاتصالات على انتخابات إسرائيل؟
وتأتي إعادة طرح هذه المعلومات في توقيت سياسي حساس، مع استعداد إسرائيل لخوض الانتخابات العامة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، وسط احتلال ملفات الأمن والحروب والعلاقة مع حماس موقعاً متقدماً في الحملات الانتخابية.
وفي حال تأكدت صحة ما ورد في التقارير، فقد تفتح القضية نقاشاً جديداً حول أسلوب نتنياهو في إدارة الملفات الأمنية الحساسة، ومدى إشراك الأجهزة الأمنية في الاتصالات والمفاوضات مع حماس.
وقد يستغل خصوم نتنياهو هذه الرواية في حملاتهم الانتخابية، خصوصاً لانتقاده بشأن آلية اتخاذ القرارات الأمنية ومدى التنسيق بين المستوى السياسي والأجهزة المكلفة بإدارة الملفات المتعلقة بالحرب والمفاوضات.
وبعد أكثر من عقد على حرب “الجرف الصامد”، يبقى السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت هذه المعلومات ستؤثر فعلياً في خيارات الناخب الإسرائيلي، في ظل تصدر قضايا الأمن والحرب والعلاقة مع حماس المشهد السياسي قبيل الانتخابات.