نقابة الصحفيين هذه ليست بالشيء الذي يظنه الظانون ولا هي مجرد اسم يسطر في البيانات أو عنوان يوشح صدر الكتب الرسمية بل هي قبل كل شيء وبعد كل شيء ذلك الدرع الحصين الذي يدرأ عن الصحفي عوادي الزمن وهي ذلك الصوت الجهير الذي يرتفع بالحق حين تشتد الأزمات وهي ذلك الملاذ الأمين الذي يأوي إليه المستجير حين تضيق به السبل وتظلم في وجهه الآفاق
وإني لأكاد أزعم أن وجود هذه النقابة في محافظاتنا الجنوبية لم يكن نافلة من القول ولا فضلاً من العمل بل كان ضرورة أملتها قسوة الظروف وأوجبتها تعقيدات الواقع التي لا ترحم فكان واجباً ينوء بحمله أولو العزم من الرجال ولعلنا نذكر في هذا المقام ذلك الرجل الذي لم يفتأ ينهض بتبعات هذا الواجب في غير ملل ولا سأم وهو الدكتور تحسين الأسطل نائب النقيب الذي وقف كالفارس المغوار لا تغيب عنه غائبة من أحوال الصحفيين ولا تشغله شواغل الحياة عن متابعة شؤونهم وكأنه قد آلى على نفسه ألا يغمض له جفن حتى يطمئن على حقوق رفاقه ويذود عن حياض كرامتهم
فهو يؤمن إيماناً لا يخالطه شك بأن الدفاع عن الصحفي ليس موقفاً عارضاً يزول بزوال أسبابه بل هو أمانة مقدسة ومسؤولية لا تقبل التأجيل ولا تعرف التردد وقد رأيناه في أحلك الساعات يتابع قضاياهم ويسعى في مصالحهم ويترجم معاناتهم إلى مواقف ناطقة بالعزة والكرامة ولم يكن ينظر إلى عمله النقابي هذا على أنه جاه يبتغى أو منصب يرتجى بل كان يراه تكليفاً يشرف به الحر ومسؤولية يسأل عنها أمام التاريخ والضمير
وإذا كان لنا أن نقول إن الصحافة هي عين المجتمع البصيرة وعقله المفكر ولسانه الذي ينطق بما يعجز عنه الآخرون فإن حماية الصحفي وصون حريته لا يعد امتيازاً يخصه دون غيره بل هو حماية لحق المجتمع كله في المعرفة وحق الناس جميعاً في استجلاء الحقيقة ومن هنا كان الدكتور تحسين صوتاً من أصوات الحرية ومدافعاً عن استقلال الكلمة وأمانة المهنة فالصحافة عنده ليست رصفاً للكلمات ولا هي زينة للورق بل هي رسالة لها أخلاقياتها ولها حدودها ولها مصطلحاتها الدقيقة التي لا يجوز التهاون فيها لأن صون المصطلح هو في حقيقته صون للحقيقة من التباس الأوهام
وهكذا تظل نقابة الصحفيين بيتاً للجميع ودرعاً للحق ويبقى أولئك الذين يحملون الأمانة في الأيام العجاف هم الأقدر على إثبات أن العمل النقابي موقف وشجاعة ووفاء فتقديرنا للدكتور تحسين الأسطل إنما هو تقدير لكل من جعل من العمل رسالة ومن الدفاع عن الحق عهداً لا ينقض وقضية لا تقبل المساومة
زياد عوض