لا تسأل أهل غزة عن معنى الكلمات في المعجم، فالمعاجم القديمة لم تعد تصلح هنا.
في غزة، تغيّرت الكلمات قبل أن تتغيّر البيوت، وتبدّلت معاني الأشياء قبل أن تتبدّل ملامح المدن.
البيت… لم يعد جدرانًا وسقفًا، بل أي مكان يضم أبناءك عندما يبدأ القصف.
المدرسة… لم تعد مكانًا للتعليم، بل مدينة صغيرة يعيش فيها مئات النازحين، لكل عائلة فيها قصة، ولكل زاوية حكاية، ولكل باب انتظار.
الماء… لم يعد حقًا بديهيًا، بل موعدًا مجهولًا، قد يأتي اليوم وقد يغيب أسبوعًا، وحين يصل يصبح أغلى من الوقت نفسه.
الخبز… لم يعد طعامًا، بل طمأنينة مؤقتة تقول للعائلة إن هذا اليوم سيمر دون جوع.
الطابور… لم يعد تنظيمًا، بل أسلوب حياة؛ طابور للماء، وطابور للغذاء، وطابور للدواء، وطابور للأمل.
الطفل… لم يعد يسأل: ماذا سأصبح عندما أكبر؟ بل يسأل: هل سنبقى أحياء حتى الغد؟
الأم… لم تعد تبحث عن الراحة، بل تحسب كيف تقسّم رغيفًا واحدًا على أطفالها دون أن يشعر أحدهم بأنه أخذ أقل من أخيه.
الليل… لم يعد وقتًا للنوم، بل وقتًا لإحصاء أفراد الأسرة والتأكد أن الجميع ما زالوا هنا.
الصمود… ليس شعارًا يُكتب على الجدران، بل قرارًا يتخذه الناس كل صباح، رغم التعب، ورغم الفقد، ورغم الغياب.
الوطن… ليس خريطة تُعلَّق على الجدار، بل شعور لا يستطيع النزوح أن يقتلعه، ولا الحرب أن تمحوه، ولا الجوع أن يساوم عليه.
هذا ليس قاموس اللغة العربية…
إنه قاموس كتبه أهل غزة دون ورق، وسجّلته الأيام بالدموع والصبر.
وسيأتي يوم يعود فيه الناس إلى قراءة الكلمات بمعانيها القديمة، لكنهم لن ينسوا أبدًا أن غزة كانت المكان الذي غيّر معانيها جميعًا.