في ظل الظروف الإنسانية الكارثية التي يعيشها قطاع غزة، وتفاقم الحاجة الماسة للمساعدات المالية وتزايد الاعتماد على المحافظ الإلكترونية كبديل للنظام البنكي المنهار، برزت موجة خطيرة ومنظمة من عمليات النصب والاحتيال الإلكتروني التي تستهدف استنزاف ما تبقى من مدخرات المواطنين. وتستغل هذه العصابات الإلكترونية، التي تنشط عبر إعلانات ممولة على منصات “فيسبوك” و”إنستغرام”، حالة العوز والبحث عن طوق نجاة، لتقع أسر جديدة ضحية لعمليات قرصنة متطورة تدار غالباً من خارج القطاع.
تعتمد هذه العمليات على استراتيجية “التصيد الاحتيالي” عبر صفحات مزيفة تنتحل صفات مؤسسات خيرية دولية أو محلية، أو تدعي تقديم “كفالة أيتام” و”منح طارئة للنازحين”، أو حتى ادعاء أنها جهات تقنية تابعة لشركات الاتصالات تعمل على “معالجة مشاكل الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية”. ولإضفاء طابع “المصداقية” على نشاطهم، يدعي المحتالون في كثير من الأحيان أنهم يتواجدون في الضفة الغربية؛ وذلك للالتفاف على حالة عدم الثقة في الغرباء، مستخدمين أرقام “واتساب” مسجلة بأسماء أشخاص فلسطينيين متوفين أو بأسماء مستعارة، وأحياناً يعتمدون على أرقام هواتف دولية تعود لأشخاص يقيمون خارج فلسطين تماماً لتمويه أثرهم وتجنب الملاحقة.
تبدأ عملية السرقة الفعليّة بطلب معلومات حساسة تحت ذريعة “تفعيل الحساب” أو “تسجيل البيانات لاستلام المساعدة”. ويقوم المحتالون بإيهام الضحية في غزة بضرورة تزويدهم برقم المحفظة الإلكترونية، وبعد ذلك يطلبون بذكاء “رمز التحقق” (OTP) الذي يصل إلى هاتف الضحية المحمول. وبمجرد حصول المحتال على هذا الرمز، تصبح المحفظة في قبضته الكاملة، حيث يتمكن من الدخول إليها، تغيير بياناتها، وسحب كافة الرصيد المالي المتاح، مما يترك العائلات التي فقدت كل شيء أمام صدمة فقدان ما تبقى من أموالها.
تشير التقديرات إلى أن هذه العصابات تستغل التباعد الجغرافي والظروف التقنية الصعبة في غزة، حيث تلجأ الصفحات الزائفة إلى استخدام صور حقيقية لضحايا الحرب أو شعارات مؤسسات معروفة لتعزيز الثقة، مما يجعل من الصعب على المستخدم البسيط اكتشاف الزيف. ومن اللافت أن هؤلاء المحتالين يحرصون على التحدث بلهجة محلية مألوفة، أو استخدام أسماء عائلات فلسطينية معروفة لاستدراج الضحايا، مستغلين حالة “الاحتياج العاطفي” والمادي التي تسيطر على الناس في ظل الحرب.
تؤكد الجهات الأمنية والتقنية المختصة بضرورة تذكر قاعدة ذهبية: لا يمكن لأي جهة رسمية أو خيرية أن تطلب رمز التحقق (OTP) أو كلمة السر الخاصة بمحفظتك المالية. إن مشاركة هذا الرمز هو مفتاح الدخول للمحتالين، ويجب الحذر الشديد من التعامل مع أي روابط مشبوهة يتم تداولها عبر الإعلانات الممولة. كما يُنصح المواطنون في غزة بالاعتماد فقط على القنوات الرسمية المعروفة للمؤسسات الإغاثية، وعدم الإفصاح عن أي بيانات مالية عبر منصات التواصل الاجتماعي، مع تفعيل خاصية “التحقق بخطوتين” على جميع الحسابات الإلكترونية لضمان حماية إضافية في ظل هذا التهديد السيبراني المتصاعد.