الساحة

عاجل
Home / أقلام / هل يمر رمضان هادئًا في شمال الضفة؟

هل يمر رمضان هادئًا في شمال الضفة؟

بقلم: أمينة خليفة

في مشهد أمني متسارع الإيقاع، شهدت الضفة الغربية خلال الأسبوع الماضي تصعيدًا ملحوظًا في عمليات الجيش الإسرائيلي، مع تركيز واضح على مناطق الشمال، حيث تحولت المدن والمخيمات إلى مسرح لتحركات مكثفة شملت مداهمات ليلية، وانتشارًا واسعًا للقوات، وإجراءات ميدانية تركت أثرًا عميقًا في الحياة اليومية للسكان، الذين وجدوا أنفسهم مجددًا أمام واقع أمني ضاغط يعيد إلى الواجهة مخاوف قديمة تتجدد كلما اقتربت المناسبات الدينية والاجتماعية الكبرى.

وقد برزت مدينتا جنين وطولكرم كأبرز بؤرتين لهذه العمليات، في ظل اقتحامات متكررة للأحياء السكنية وانتشار الحواجز المفاجئة، الأمر الذي أربك حركة المواطنين وأثر في سير العمل والتعليم، بينما بدت الشوارع خاضعة لإيقاع أمني ثقيل، يعكس حجم التوتر الذي يخيّم على المنطقة بأكملها.

ولم تقتصر التحركات على مراكز المدن، بل امتدت إلى مخيمات اللاجئين، وفي مقدمتها مخيم نور شمس ومخيم العين، حيث نُفذت عمليات تفتيش واسعة النطاق، رافقتها اعتقالات جماعية وتفتيش للمنازل، وسط حالة من القلق بين العائلات التي تخشى أن تتحول هذه الإجراءات إلى واقع دائم يزيد من هشاشة أوضاعها المعيشية.

ووفق المعطيات المتداولة، جرى اعتقال أكثر من ثلاثين شخصًا للاشتباه في تورطهم بأنشطة توصف بأنها إرهابية، من بينهم ناشطون يُعتقد بانتمائهم إلى حركتي حماس وحركة الجهاد الإسلامي، في خطوة يرى مراقبون أنها تأتي ضمن مساعي لتفكيك بنى تنظيمية في شمال الضفة، بينما يعتبرها آخرون تصعيدًا قد يفاقم الاحتقان بدلًا من احتوائه.

وترافقت الاعتقالات مع عمليات هدم لمباني سكنية ومنشآت يُشتبه باستخدامها لأغراض تنظيمية، ما أضاف بعدًا إنسانيًا مؤلمًا إلى المشهد، إذ لم تقتصر التداعيات على الجانب الأمني، بل امتدت لتشمل عائلات فقدت مساكنها أو تعرضت لخسائر مادية جسيمة، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلًا من ضغوط اقتصادية متزايدة.

ورغم أن الجهات الإسرائيلية تبرر هذه العمليات بضرورات أمنية ومنع هجمات محتملة، إلا أن شريحة واسعة من السكان تنظر إلى ما يجري بوصفه عقابًا جماعيًا يطال البيئة الاجتماعية بأكملها، ويضع المدنيين في قلب مواجهة لا يملكون أدوات التأثير في مساراتها، الأمر الذي يعمق فجوة الثقة ويغذي مشاعر الغضب والقلق.

وتزداد حساسية المشهد مع اقتراب شهر رمضان المبارك، إذ يخشى الأهالي أن تُلقي التطورات الأمنية بظلالها الثقيلة على أجواء الشهر، الذي يمثل في العادة مساحة للسكينة والتلاقي الاجتماعي، حيث تتحول الأسواق إلى نقاط ازدحام، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وتغدو الأمسيات مناسبة لتعزيز الروابط العائلية والمجتمعية.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو المخاوف مضاعفة، فالإجراءات المشددة والحواجز المتكررة قد تعرقل التنقل بين المدن والقرى، كما أن احتمالات التصعيد تبقى قائمة، ما يثير تساؤلات حول قدرة السكان على ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية بحرية وأمان، في وقت يتوقون فيه إلى فترة هدوء تعيد شيئًا من الاستقرار المفقود.

كما أن استمرار العمليات المكثفة يحمل في طياته تداعيات سياسية أوسع، إذ قد يسهم في إعادة تشكيل موازين القوى داخل بعض المناطق، ويؤثر في المزاج العام، سواء عبر زيادة الالتفاف حول الفصائل المستهدفة أو عبر تصاعد الدعوات إلى تجنب أي مواجهات جديدة قد تجرّ المنطقة إلى دائرة أوسع من العنف.

وبين الاعتبارات الأمنية والحسابات السياسية، يبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة معقدة، حيث تتقاطع الإجراءات الميدانية مع احتياجاتهم اليومية الأساسية، من عمل وتعليم ورعاية صحية، ما يجعل أي تصعيد إضافي عاملًا مضاعفًا للمعاناة، ويضع مستقبل الأسابيع المقبلة على مفترق طرق دقيق.

وفي المحصلة، يقف سكان شمال الضفة أمام أمنية بسيطة لكنها بعيدة المنال: أن يمر شهر رمضان بهدوء، بعيدًا عن أصوات الاقتحامات وصفارات الإنذار، وأن يتمكنوا من حماية عائلاتهم والحفاظ على ما تبقى من استقرارهم، في انتظار انفراجة قد تعيد للمنطقة بعضًا من الطمأنينة التي غابت طويلًا.