الساحة

عاجل
Home / أخبــار / غزة ما بعد حماس: مدينة الإمارات في القطاع… إعمار أم إعادة تشكيل سياسي؟

غزة ما بعد حماس: مدينة الإمارات في القطاع… إعمار أم إعادة تشكيل سياسي؟

من يظن أن ما تم تسريبه عبر رويترز مجرد خبر عن إعادة إعمار، لم يقرأ المشهد كاملًا.
لسنا أمام مشروع وحدات سكنية فقط، بل أمام أول اختبار عملي لشكل غزة في مرحلة ما بعد “حماس”.

أولًا: الإعمار كأداة فرز سياسي

المشروع، وفق المعطيات المتداولة، سيُقام في منطقة خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية جنوب القطاع.

المعنى الأمني هنا لا يحتاج إلى كثير من التأويل:
من يسكن؟ من يعمل؟ من يدخل؟ ومن يُستبعد؟
كل ذلك سيُحدَّد أمنيًا قبل أن يُحدَّد عمرانيًا.

هذه ليست عملية إسكان تقليدية لمعالجة كارثة إنسانية، بل إعادة تشكيل لبيئة سكانية قابلة للضبط والمراقبة.
بمعنى آخر: إعادة هندسة اجتماعية مغلفة بعنوان “الإعمار”.

ثانيًا: شرعية جديدة… تولد من الراتب لا من فوهة البندقية

تشغيل شركة محلية وعمال من غزة ليس قرارًا إنسانيًا بحتًا.
إنه تحوّل في مركز الثقل.

حين يصبح مصدر الدخل مرتبطًا باستقرار أمني تشرف عليه إسرائيل، ويموّله طرف عربي وازن مثل الإمارات العربية المتحدة، فإن المعادلة الشعبية تبدأ في التحول تدريجيًا:

الأولوية تصبح الوظيفة… لا المواجهة.
الاستقرار… لا الصدام.

وهذا، في ميزان الحركات المسلحة، أخطر من أي مواجهة عسكرية.
فالشرعية التي تُبنى على شبكة رواتب ثابتة واستقرار معيشي قد تسحب البساط ببطء من تحت شرعية البندقية.

ثالثًا: نموذج إدارة منفصل عن السلطة الفلسطينية

المؤشرات الأولية توحي بإمكانية اعتماد أنظمة مالية وإدارية مختلفة، قد لا تكون مرتبطة مباشرة بـ السلطة الفلسطينية.

إن صحّ ذلك، فنحن أمام نواة إدارة موازية:

تمويل عربي مباشر

إشراف أمني إسرائيلي

تشغيل محلي مشروط

وبنية خدمات قد تُدار خارج الإطار التقليدي للسلطة

هذا النموذج، إن تكرّس، لا يعيد فقط إعمار الحجر… بل يعيد تعريف من يدير البشر.

الخلاصة: اختبار سياسي أكثر منه عمراني

“مدينة الإمارات” ليست مجرد مشروع إسكان.
هي اختبار مبكر لثلاثة أسئلة كبرى:

1. من يحكم غزة اقتصاديًا؟

2. من يملك شرعية توفير الحياة اليومية؟

3. وهل يمكن خلق واقع مستقر بمعزل عن الفاعل المسلح التقليدي؟

الملف هنا لا يتعلق بعدد الشقق، بل بطبيعة النظام الذي سيتشكل حولها.
وإذا كان الإعمار في العادة بداية التعافي، فإنه في الحالة الغزية قد يكون بداية إعادة تشكيل المشهد السياسي بأدوات ناعمة… لكنها عميقة الأثر.

المعركة المقبلة، على ما يبدو، لن تكون على الأرض فقط — بل على تعريف “الحياة الطبيعية” نفسها.