دفعت الحرب المستمرة في قطاع غزة وارتفاع أسعار السجائر إلى مستويات غير مسبوقة، العديد من المدخنين إلى اللجوء لبدائل غير تقليدية، أبرزها ما بات يُعرف بـ”سجائر الملوخية”، وهي خليط من أوراق الملوخية المجففة الممزوجة بالنيكوتين السائل، وسط تحذيرات طبية متزايدة من مخاطرها الصحية الخطيرة.
وفي أحد الأسواق العشوائية وسط مدينة غزة، يعرض الباعة أكياساً من أوراق الملوخية المجففة إلى جانب كميات محدودة من التبغ. ويقوم بعضهم بطحن الأوراق وإضافة قطرات من النيكوتين السائل إليها قبل لفها في أوراق رقيقة لتصبح جاهزة للتدخين.
ويقول علاء، وهو شاب يبلغ من العمر 27 عاماً، إن ارتفاع أسعار السجائر أجبره على استخدام هذا البديل رغم إدراكه لمخاطره. وأضاف أن سعر السيجارة الواحدة وصل إلى مستويات لا يمكن تحملها، ما دفع كثيرين إلى البحث عن أي بديل متاح للتخفيف من آثار الإدمان والضغوط النفسية الناتجة عن الحرب.
وأكد علاء أنه فقد عمله نجاراً مع بداية الحرب، وأصبح توفير احتياجات أسرته أولوية تفوق قدرته على شراء السجائر التقليدية، مشيراً إلى أن ما يدخنه اليوم لا يشبه التبغ الحقيقي، لكنه خيار اضطراري في ظل الظروف الحالية.
من جانبه، حذر الدكتور أحمد سعيد الجدبة، استشاري الأنف والأذن والحنجرة، من أن تدخين الملوخية الممزوجة بالنيكوتين قد يكون أكثر خطورة من التبغ التقليدي، نظراً لما يحتويه الخليط من مواد كيميائية سامة. وأوضح أن احتراق هذه المواد يطلق غازات ومركبات ضارة مثل أول أكسيد الكربون والقطران، وهي مواد مرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي والسرطان وتلف الخلايا.
وأشار إلى أن العيادات تستقبل حالات متزايدة تعاني من السعال الحاد، وصعوبات التنفس، وبحة الصوت، وظهور بلغم داكن اللون، فيما تم تسجيل حالات أظهرت مؤشرات مبكرة لمشكلات خطيرة في الأحبال الصوتية.
كما روى علاء تجربة شخصية خطيرة تعرض لها بعد تسرب النيكوتين السائل إلى جلده إثر كسر عبوة كان يحملها، ما تسبب في حروق وإغماء استمر عدة ساعات، مؤكداً أن هناك حوادث مشابهة وقعت لآخرين نتيجة سوء التعامل مع هذه المادة السامة.
بدوره، قال عبد الكريم حلس، وهو بائع تبغ من مدينة غزة، إن استخدام الملوخية كبديل للتبغ انتشر بشكل واسع خلال الحرب بسبب ندرة السجائر وارتفاع أسعارها بشكل هائل.
وأضاف أن سعر علبة السجائر الذي كان لا يتجاوز 15 شيكلاً قبل الحرب، ارتفع إلى ما بين 500 و600 شيكل، ما جعل شراءها أمراً شبه مستحيل بالنسبة لكثير من السكان.
وأوضح أن الملوخية أصبحت الخيار الأكثر استخداماً لأنها تحتفظ بالنيكوتين بصورة أفضل من الأعشاب الأخرى، رغم إدراك الجميع للمخاطر الصحية المرتبطة بها، لافتاً إلى أن بعض الأشخاص تعرضوا لإصابات خطيرة، فيما سُجلت حالات وفاة مرتبطة باستخدام النيكوتين الخام.
وفي ظل استمرار القيود على دخول منتجات التبغ إلى القطاع، وتدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، يجد كثير من المدخنين أنفسهم أمام خيارات محدودة، فيلجؤون إلى بدائل خطرة رغم التحذيرات الطبية المتكررة.
ويقول حسن هجان، وهو أحد المدخنين الذين يستخدمون سجائر الملوخية، إنه يستيقظ يومياً وهو يعاني من ضيق في التنفس وامتلاء صدره بالبلغم، لكنه يجد صعوبة في الإقلاع عن التدخين بسبب الإدمان والضغوط النفسية التي يعيشها بعد فقدان منزله ونزوحه مع أسرته.
ويعكس انتشار سجائر الملوخية في غزة جانباً جديداً من تداعيات الحرب والأزمة الإنسانية، حيث لم تعد معاناة السكان تقتصر على نقص الغذاء والدواء، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، في ظل ظروف تدفع كثيرين إلى خيارات قد تشكل خطراً مباشراً على صحتهم وحياتهم.
المصدر: الجزيرة نت