تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الساحة

عاجل
Home / أقلام / غزة بين الفرصة الإنسانية والمخاطر الاستراتيجية

غزة بين الفرصة الإنسانية والمخاطر الاستراتيجية

 

تقدير موقف استراتيجي واستشرافي بشأن الاتفاق الانتقالي للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار

د. صلاح عبد العاطي

أولاً: لحظة التحول… لماذا ظهر الاتفاق الآن؟

لم يكن الإعلان عن خارطة الطريق الخاصة بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حدثًا تفاوضيًا مفاجئًا أو اختراقًا سياسيًا منفصلًا عن السياق، بل جاء نتيجة تفاعل مركب بين عوامل إنسانية وعسكرية وسياسية وإقليمية ودولية، دفعت مختلف الأطراف إلى إعادة حساباتها بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب استنزاف غير مسبوقة، تحولت تدريجيًا من حرب تستهدف تحقيق أهداف عسكرية وسياسية معلنة إلى حرب تهدد بإحداث انهيار إنساني شامل، وتفرض وقائع ميدانية قد يصعب التراجع عنها مستقبلًا.

لقد وصلت حرب الابادة إلى نقطة باتت فيها كلفتها الإنسانية والسياسية تتجاوز بصورة متزايدة ما يمكن لأي طرف احتماله أو الدفاع عنه. فقد أفضي العدوان العسكري الإسرائيلي إلى دمار واسع للبنية التحتية، وانهيار شبه كامل للقطاعين الصحي والخدمي، واتساع رقعة المجاعة والنزوح الداخلي، واستمرار استهداف المدنيين بالقتل الجماعي واستهداف ومراكز الإيواء وخيام النازحين والمنشآت الطبية، بما جعل وقف حرب الإبادة ضرورة إنسانية ملحة قبل أن يكون خيارًا سياسيًا.

وفي المقابل، لم تحقق إسرائيل أهدافها الاستراتيجية المعلنة بصورة كاملة. فعلى الرغم من حجم القوة العسكرية المستخدمة، وفي الوقت ذاته، أخذت الضغوط الدولية والشعبية والقانونية تتصاعد بصورة غير مسبوقة، مع استمرار حملة المقاطعة والملاحقات أمام المحاكم الدولية، وتزايد الانتقادات الأوروبية والأممية، وازدياد العزلة السياسية لحكومة الاحتلال.

التحول في المقاربة الفلسطينية

على الجانب الفلسطيني، شهدت الأشهر الأخيرة تحولًا مهمًا في ترتيب الأولويات. فبعد سنوات من الحرب، لم يعد الهدف المباشر تحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية إضافية، وإنما حماية الإنسان الفلسطيني والحفاظ على الوجود الوطني في قطاع غزة، ومنع استكمال مشروع الإبادة والتهجير وإعادة تشكيل القطاع ديموغرافيًا وجغرافيًا بما يخدم الرؤية الإسرائيلية لما يسمى “غزة الجديدة”.

وفي هذا السياق، شكّل انتخاب الدكتور خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس محطة مؤثرة في صناعة القرار داخل الحركة. فالحية لم يكن وافدًا جديدًا على الملف، بل قاد وفد التفاوض طوال المرحلة السابقة، وكان الأكثر اطلاعًا على تفاصيل الاتصالات وحدود الممكن سياسيًا. وقد أتاح انتقاله إلى قيادة المكتب السياسي توحيد مركز القرار السياسي والتفاوضي، وتقليص الفجوة بين إدارة التفاوض وصناعة القرار، بما وفر مرونة أكبر في التعاطي مع المبادرات المطروحة، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية.

كما أسهمت الاتصالات التي أجراها تيار الإصلاح الديمقراطي بقيادة رئيسة محمد دحلان ونائبه سمير المشهراوي مع حركة حماس وعدد من الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية في تهيئة مناخ سياسي أكثر قبولًا لفكرة الانتقال إلى مقاربة إنقاذية، تقوم على الفصل بين متطلبات وقف الحرب والإنقاذ الإنساني، وبين الملفات السياسية والأمنية المؤجلة، بما يساعد على منع انهيار قطاع غزة دون الدخول في تسويات نهائية بشأن القضايا الخلافية.

الدور الإقليمي والوساطة متعددة الأطراف

على المستوى الإقليمي، لعبت مصر دورًا محوريًا في الدفع نحو هذه الصيغة، مدعومة بجهود قطر وتركيا، وبغطاء أمريكي واضح، انطلاقًا من إدراك متزايد بأن استمرار الحرب لم يعد يهدد قطاع غزة وحده، بل بات يمثل عاملًا لعدم الاستقرار الإقليمي، ويقوض فرص أي ترتيبات سياسية أوسع في المنطقة.

وتشير المعطيات المتوافرة إلى أن القاهرة لم تكتف بإدارة الوساطة التقليدية، بل انخرطت في بلورة تصور متكامل للمرحلة الانتقالية، يشمل تشكيل اللجنة الوطنية، وآليات إدارة القطاع، والربط بين الانسحاب الإسرائيلي والتعافي المبكر، بما يضمن عدم تحول الفراغ الإداري إلى مصدر لفوضى جديدة.

وفي هذا الإطار، اكتسبت موافقة حركة حماس والفصائل الفلسطينية على خارطة الطريق أهمية خاصة، لأنها نقلت مركز الثقل من السؤال التقليدي حول “الموقف الفلسطيني” إلى سؤال جديد يتعلق بمدى استعداد إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.

المفاجأة الإسرائيلية وانتقال مركز الاختبار

تكشف المؤشرات الصادرة عن الإعلام الإسرائيلي، إلى جانب التسريبات السياسية، أن القيادة الإسرائيلية فوجئت بحجم المرونة الفلسطينية. فقد بنت حكومة بنيامين نتنياهو جزءًا مهمًا من استراتيجيتها التفاوضية على افتراض أن حركة حماس سترفض الانتقال إلى المرحلة الثانية، أو ستتمسك بشروط تجعل الاتفاق مستحيلًا، بما يسمح لإسرائيل بمواصلة الحرب وتحميل الطرف الفلسطيني مسؤولية التعطيل.

غير أن قبول الفصائل بخارطة الطريق، مع ربط تنفيذ ملفات السلاح والترتيبات الأمنية بوقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي وتمكين اللجنة الوطنية، أضعف هذه الفرضية، ونقل مركز الاختبار إلى الجانب الإسرائيلي، الذي بات مطالبًا بتحديد موقفه من الانسحاب ووقف العمليات العسكرية، بدلًا من الاكتفاء بالمطالبة بتنازلات فلسطينية إضافية.

ومن هنا، يمكن القول إن الكرة انتقلت بدرجة كبيرة إلى الملعب الإسرائيلي، وأصبح نجاح الاتفاق أو فشله مرتبطًا أساسًا بمدى استعداد حكومة الاحتلال للالتزام بما تطرحه الولايات المتحدة والوسطاء، وليس بمدى استعداد الفصائل الفلسطينية للمضي في الاتفاق.

حدود اللحظة السياسية

ومع ذلك، فإن هذه التطورات لا تعني أن الأطراف أصبحت متفقة على رؤية واحدة لمستقبل قطاع غزة، كما لا تعني أن الاتفاق يمثل بداية لتسوية سياسية شاملة.

فالولايات المتحدة تسعى إلى احتواء الأزمة ووقف الحرب بما يخدم مصالحها الإقليمية، والدول العربية المعنية تركز على منع الانهيار الإنساني واستعادة الحد الأدنى من الاستقرار، بينما تنظر الفصائل الفلسطينية إلى الاتفاق باعتباره فرصة لحماية السكان والحفاظ على الوجود الوطني، في حين ترى إسرائيل فيه، على الأقل وفق التصريحات الرسمية، إطارًا يمكن استخدامه لاستكمال أهدافها الأمنية والسياسية إذا أُعيد تفسير بنوده بما يخدم رؤيتها.

وعليه، فإن الاتفاق لم يولد نتيجة توافق استراتيجي بين الأطراف، بل نتيجة تقاطع مؤقت بين ضرورات متعارضة: ضرورة فلسطينية لإنقاذ المجتمع، وضرورة إقليمية لمنع الانفجار، وضرورة أمريكية لتحقيق اختراق سياسي، وضرورة إسرائيلية لإدارة الضغوط الدولية دون التخلي عن أهدافها بعيدة المدى.

ومن ثم، فإن تقييم الاتفاق ينبغي ألا ينطلق من النصوص وحدها، بل من البيئة السياسية التي أفرزته، ومن طبيعة موازين القوى التي ستحكم تنفيذه، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر أهمية من مرحلة التفاوض نفسها.

ثالثًا: اختبار التنفيذ… هل انتقلت الكرة فعلًا إلى الملعب الإسرائيلي؟

إذا كان ظهور الاتفاق قد جاء نتيجة تقاطع الضرورات الإنسانية مع التحولات السياسية والإقليمية، فإن مستقبله لم يعد مرتبطًا بما قدمه الفلسطينيون من مرونة، بل بمدى استعداد إسرائيل للانتقال من إدارة الحرب إلى الالتزام باستحقاقات وقفها.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية؛ فبعد أشهر طويلة من اتهام إسرائيل لحركة حماس بأنها الطرف الذي يعرقل أي تسوية، جاءت الموافقة الفلسطينية على خارطة الطريق لتسحب من الحكومة الإسرائيلية أهم مبرراتها السياسية لاستمرار الحرب، ولتنقل مركز الاختبار من الموقف الفلسطيني إلى القرار الإسرائيلي.

ولهذا يمكن القول إن الاتفاق، لأول مرة منذ سنوات، أعاد توزيع المسؤولية السياسية بصورة مختلفة؛ فبدل أن يكون السؤال: هل ستقبل حماس؟ أصبح السؤال: هل ستلتزم إسرائيل؟

وهذا التحول لا يقل أهمية عن الاتفاق نفسه.

فالموافقة الفلسطينية لم تأتِ في فراغ، وإنما جاءت بعد مراجعة عميقة لأولويات المرحلة، انطلقت من أن الخطر الوجودي الذي يهدد قطاع غزة لم يعد يسمح باستمرار إدارة الصراع وفق الأدوات التقليدية، وأن إنقاذ المجتمع الفلسطيني بات يسبق أي حسابات سياسية أخرى.

في المقابل، جاءت ردود الفعل الإسرائيلية كاشفة لحجم الارتباك داخل المؤسسة السياسية.

فقد بنت حكومة بنيامين نتنياهو استراتيجيتها طوال الفترة الماضية على فرضية أن حماس سترفض أي صيغة تتناول مستقبل الإدارة أو السلاح، وهو ما يسمح لإسرائيل بالاستمرار في العمليات العسكرية، واستكمال مشروع فرض الوقائع الميدانية تحت ذريعة غياب الشريك الفلسطيني.

لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا.

فقد قبلت حماس متاخرا ، ومعها الفصائل الفلسطينية، بخارطة الطريق، وأبدت استعدادًا للتعامل مع ملفات شديدة الحساسية ضمن إطار وطني فلسطيني وضمانات عربية ودولية، الأمر الذي وضع الحكومة الإسرائيلية أمام معادلة جديدة لم تكن تتوقعها.

ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتحدث وسائل الإعلام الإسرائيلية عن “صدمة” داخل المؤسسة السياسية، وأن تبرز سريعًا محاولات لإعادة تفسير الاتفاق، أو ربط تنفيذه بشروط إضافية لم تكن جزءًا من التفاهمات الأصلية.

وهنا تتجلى العقدة الحقيقية.

فالخلاف لم يعد يدور حول مبدأ وقف حرب الابادة، بل حول ترتيب مراحل التنفيذ.

فخارطة الطريق تقوم على مبدأ التدرج والتوازي؛ أي أن الانسحاب الإسرائيلي، وتمكين اللجنة الوطنية، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وإعادة الإعمار، ومعالجة ملف السلاح، كلها عمليات متزامنة ومترابطة.

أما الرؤية الإسرائيلية فتسعى إلى قلب هذه المعادلة، عبر اشتراط استكمال نزع السلاح بصورة كاملة قبل أي انسحاب فعلي، بما يسمح عمليًا بإبقاء الاحتلال داخل القطاع إلى أجل غير معلوم.

وهذا ليس مجرد خلاف فني، بل يعكس اختلافًا جذريًا في فلسفة الاتفاق.

فالجانب الفلسطيني ينظر إلى وقف الحرب باعتباره المدخل لمعالجة الملفات الأخرى.

بينما تنظر إسرائيل إلى الملفات الأمنية باعتبارها أداة لتأجيل إنهاء الحرب.

ومن هنا تصبح الضمانات نن الوسطاء العامل الحاسم.

فالخبرة الفلسطينية مع الاتفاقات السابقة تؤكد أن المشكلة لم تكن يومًا في صياغة النصوص، وإنما في غياب أدوات الإلزام.

لقد وقعت إسرائيل اتفاقات عديدة، من شرم الشيخ إلى تفاهمات وقف إطلاق النار المتعددة، لكنها تعاملت معها باعتبارها أدوات تكتيكية، لا التزامات قانونية وسياسية ملزمة، مستفيدة من غياب آليات الرقابة والعقوبات.

ولذلك، فإن نجاح الاتفاق الحالي لن يتوقف على حسن نية الأطراف، وإنما على وجود منظومة تنفيذ حقيقية، تشمل:

رقابة دولية مستقلة.

جدولًا زمنيًا واضحًا.

مؤشرات قياس للتنفيذ.

آليات للتحقق.

إجراءات لمساءلة أي طرف يعرقل التنفيذ.

وهنا يبرز الدور غير المسبوق لمجلس السلام ولجنة التحقق الدولية (IVC)، باعتبارهما محاولة لتجاوز إحدى أهم ثغرات الاتفاقات السابقة، وهي غياب الجهة القادرة على الفصل بين الادعاءات المتبادلة، وتحديد الطرف المسؤول عن أي خرق.

كما تبرز أهمية اللجنة الوطنية الفلسطينية، التي تحولت من مجرد فكرة إدارية إلى حجر الزاوية في المرحلة الانتقالية، باعتبارها الجهة المخولة بإدارة القطاع، والتنسيق مع السلطة الفلسطينية، وقيادة التعافي المبكر، والإشراف على إعادة الإعمار، ومعالجة الملفات الأمنية بصورة تدريجية.

ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تعلن اللجنة الوطنية جاهزيتها الكاملة لبدء تنفيذ خارطة الطريق، وأن يؤكد مجلس السلام تنسيقه المباشر مع السلطة الفلسطينية بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة، في محاولة واضحة لإضفاء الشرعية الفلسطينية والمؤسسية على الاتفاق، ومنع تصويره باعتباره تفاهمًا ثنائيًا بين حماس والوسطاء.

كما أن التصريحات المصرية الأخيرة بشأن قرب عقد اجتماع موسع في القاهرة يضم الوسطاء لمتابعة تنفيذ المرحلة الثانية، تؤكد أن الضامنين يدركون أن الخطر الحقيقي لم يعد في الوصول إلى الاتفاق، وإنما في حماية الاتفاق من التعطيل.

وفي هذا السياق، تبدو البيئة الدولية أكثر استعدادًا لممارسة ضغوط على إسرائيل مما كانت عليه في المراحل السابقة، وإن كانت هذه الضغوط لا تزال دون المستوى الكفيل بضمان التنفيذ الكامل.

فالولايات المتحدة، التي سارعت إلى الترحيب بخارطة الطريق، تنظر إلى الاتفاق باعتباره فرصة لتثبيت الاستقرار الإقليمي، واحتواء التداعيات الإنسانية والسياسية للحرب، بينما ترى مصر وقطر وتركيا أن نجاحه يمثل شرطًا ضروريًا لمنع انفجار إقليمي أوسع.

إلا أن كل ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن حكومة نتنياهو لا تزال أسيرة اعتبارات داخلية معقدة، تتعلق بتماسك الائتلاف، وضغوط اليمين المتطرف، والحسابات الانتخابية، وهو ما يجعل احتمالات المناورة والتأجيل وإعادة التفسير قائمة بقوة.

ومن ثم، فإن الاتفاق يقف اليوم أمام لحظة اختبار حقيقية.

فالمرونة الفلسطينية فتحت الباب.

والوسطاء وفروا الإطار.

والمجتمع الدولي أعلن دعمه.

لكن الحلقة المفقودة لا تزال تتمثل في القرار الإسرائيلي.

ولهذا، فإن السؤال الاستراتيجي لم يعد: هل يوجد اتفاق؟

بل أصبح: هل توجد إرادة دولية كافية لفرض تنفيذ الاتفاق؟

وهذه هي النقطة التي ستحدد ما إذا كانت غزة تدخل فعلًا مرحلة وقف الحرب والتعافي، أم أنها تتجه نحو نسخة جديدة من الاتفاقات المؤجلة التي تُستخدم لإدارة الصراع لا لإنهائه.
ثالثًا: الاتفاق بين الضرورة الإنسانية وإعادة تشكيل المشهد السياسي

إذا كان السؤال الأول يتعلق بسبب ظهور الاتفاق في هذا التوقيت، فإن السؤال الأكثر أهمية يتمثل في طبيعة الاتفاق نفسه: هل نحن أمام تسوية سياسية تنهي الحرب، أم أمام ترتيبات انتقالية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب دون معالجة جذورها؟

القراءة المتأنية لمجمل الوثائق المسربة، والتصريحات الصادرة عن الوسطاء، والمواقف الفلسطينية والإسرائيلية، تقود إلى استنتاج واضح مفاده أن الاتفاق المطروح لا يمثل اتفاق سلام، ولا حتى بداية لتسوية سياسية شاملة، وإنما يمثل إطارًا انتقاليًا محدود الأهداف، غايته الأساسية وقف الحرب ومنع الانهيار الكامل لقطاع غزة، وتهيئة بيئة تسمح بإدارة مدنية فلسطينية انتقالية، دون أن يحسم القضايا الجوهرية المتعلقة بالاحتلال أو الدولة الفلسطينية أو مستقبل المقاومة.

ومن هنا، فإن الاتفاق يقوم على معادلة دقيقة تقوم على الفصل بين مرحلتين مختلفتين.

الأولى، مرحلة إنسانية انتقالية، تتضمن وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي، وإدخال المساعدات، وعودة النازحين، وتمكين اللجنة الوطنية، وإطلاق عملية التعافي وإعادة الإعمار.

أما الثانية، فهي مرحلة سياسية وأمنية لاحقة، تتناول القضايا الأكثر تعقيدًا، وفي مقدمتها مستقبل السلاح، وإعادة بناء المؤسسة الأمنية الفلسطينية، وإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني، ومسار التسوية النهائية.

وهذا التمييز بالغ الأهمية، لأن جزءًا كبيرًا من الجدل الدائر يتعامل مع الاتفاق وكأنه محاولة لحسم ملفات لا يستطيع بطبيعته أن يحسمها.

لقد أدركت القوى الفلسطينية، بعد ما يقارب ثلاث سنوات من الحرب، أن الأولوية الوطنية لم تعد تحقيق مكاسب سياسية أو تسجيل انتصار تفاوضي، وإنما حماية الإنسان الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني في قطاع غزة، ومنع الاحتلال من استكمال مشروعه القائم على التهجير والإبادة وإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية.

ولهذا جاءت المرونة الفلسطينية في إطار إعادة ترتيب الأولويات، وليس في إطار إعادة تعريف الثوابت.

فحركة حماس، التي وافقت على خارطة الطريق، لم توافق على إنهاء المقاومة أو التخلي عن الحقوق الوطنية، وإنما وافقت على الدخول في ترتيبات انتقالية تعطي الأولوية لوقف الحرب، على أن تبقى القضايا الأكثر حساسية ضمن مسار وطني لاحق.

وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى الاتفاق من زاوية مختلفة تمامًا.

فبينما ترى الفصائل أن الاتفاق وسيلة لإنهاء الحرب، تحاول الحكومة الإسرائيلية التعامل معه باعتباره وسيلة لاستكمال ما عجزت القوة العسكرية عن تحقيقه، عبر أدوات سياسية وأمنية وإدارية.

ولهذا تصر حكومة بنيامين نتنياهو على إعادة تفسير الاتفاق بصورة تجعل الانسحاب نتيجة لنزع السلاح، بينما يقوم الاتفاق نفسه على مبدأ التدرج والتوازي، بحيث تتقدم عملية الانسحاب بالتزامن مع بناء الإدارة المدنية والترتيبات الأمنية.

وهنا تكمن العقدة الأساسية.

فالخلاف الحقيقي لم يعد حول وجود الاتفاق، وإنما حول ترتيب أولوياته.

الفلسطينيون ينطلقون من أن وقف الحرب شرط لمعالجة بقية الملفات.

أما إسرائيل فتنطلق من أن معالجة الملفات الأمنية يجب أن تسبق إنهاء الحرب.

وهذا التناقض يجعل الاتفاق أقرب إلى إطار لإدارة الصراع، لا إلى إطار لإنهائه.

كما أن القراءة الإسرائيلية نفسها تكشف حجم المفاجأة التي أحدثتها المرونة الفلسطينية.

فقد بُني جزء مهم من الاستراتيجية الإسرائيلية خلال الأشهر الماضية على افتراض أن حركة حماس سترفض أي صيغة تتناول ملف الإدارة أو السلاح أو اللجنة الوطنية، بما يمنح إسرائيل مبررًا لمواصلة الحرب وتحميل الحركة مسؤولية تعثر المفاوضات.

لكن قبول الحركة بالمقاربة الانتقالية، مع ربطها بانسحاب الاحتلال ووقف الحرب، نقل الضغط السياسي إلى إسرائيل، وجعلها لأول مرة الطرف المطالب بتقديم إجابات واضحة بشأن تنفيذ التزاماتها.

ولهذا يمكن القول إن الاتفاق، في هذه المرحلة، لم يعد اختبارًا لمرونة الفصائل الفلسطينية بقدر ما أصبح اختبارًا لاستعداد إسرائيل للانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة السلام المؤقت.

وفي هذا السياق تبرز أهمية المواقف الفلسطينية الرسمية الأخيرة.

فقد رحبت الرئاسة الفلسطينية بأي اتفاق يؤدي إلى وقف العدوان ويخفف معاناة الشعب الفلسطيني، مع التأكيد على ضرورة أن ينسجم التنفيذ مع الشرعية الفلسطينية ووحدة النظام السياسي.

كما أعلنت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة جاهزيتها الكاملة لمباشرة مهامها فور دخول الاتفاق حيز التنفيذ، مؤكدة أن هدفها يتمثل في إدارة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار وإعادة تشغيل المؤسسات المدنية.

وفي السياق ذاته، أكد مجلس السلام استمرار التنسيق مع السلطة الفلسطينية لضمان تنفيذ بنود الاتفاق، بما يعكس إدراكًا متزايدًا بأن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب وجود مرجعية فلسطينية مؤسساتية، وليس مجرد تفاهمات أمنية بين الأطراف.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أعلن المصدر المصري عن قرب عقد اجتماع موسع في القاهرة يضم مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا لمتابعة تنفيذ المرحلة الثانية، بما يشير إلى أن الوسطاء لا يكتفون بصياغة الاتفاق، وإنما يحاولون بناء آلية متابعة سياسية تحول دون انهياره في أيامه الأولى.

ومع ذلك، تبقى هذه المؤشرات الإيجابية محكومة بعامل حاسم يتمثل في السلوك الإسرائيلي على الأرض.

فحتى مع تصاعد الحديث عن الاتفاق، واصل الاحتلال تنفيذ عمليات القتل والقصف، وإصدار أوامر الإخلاء، واستهداف المنشآت المدنية، بما يعكس أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية ما تزال تحاول تحسين شروطها الميدانية قبل أي وقف محتمل لإطلاق النار.

وهذا يعني أن إسرائيل قد تسعى إلى استثمار الفترة السابقة لدخول الاتفاق حيز التنفيذ لفرض وقائع يصعب التراجع عنها لاحقًا، سواء عبر توسيع مناطق السيطرة، أو استكمال تدمير البنية الحضرية، أو تعميق عمليات التهجير.

ومن هنا، فإن الاتفاق، رغم أهميته، لا ينبغي النظر إليه بوصفه نهاية للحرب، بل باعتباره بداية لاختبار جديد، سيكون نجاحه أو فشله مرهونًا بقدرة الوسطاء والضامنين على تحويل النصوص إلى التزامات فعلية، ومنع إسرائيل من إعادة إنتاج تجربة الاتفاقات السابقة التي انهارت بسبب غياب أدوات التنفيذ والإلزام.

وبذلك يصبح المعيار الحقيقي لنجاح الاتفاق واضحًا: ليس عدد البنود التي يتضمنها، ولا حجم الترتيبات الأمنية التي يقترحها، وإنما قدرته الفعلية على وقف آلة الحرب، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي، ورفع الحصار، وإعادة الحياة إلى قطاع غزة، باعتبار ذلك المدخل الضروري لأي معالجة سياسية أعمق في المستقبل.
رابعًا: استشراف المرحلة المقبلة… الفرصة الأخيرة أم إعادة إنتاج الأزمة؟

بعد اكتمال ملامح خارطة الطريق، وتبلور التفاهمات الأولية بين الوسطاء والفصائل الفلسطينية، وانتقال النقاش من مرحلة التفاوض إلى مرحلة التنفيذ، لم يعد السؤال الأساسي يتمثل في إمكانية التوصل إلى اتفاق، بل في قدرة هذا الاتفاق على الصمود والتحول إلى واقع سياسي وميداني. فالقضية الجوهرية اليوم ليست ما إذا كانت الأطراف قد توصلت إلى تفاهمات، وإنما ما إذا كانت البيئة السياسية والقانونية والإقليمية قادرة على فرض احترامها وتنفيذها.

لقد أثبتت التجربة الفلسطينية، منذ اتفاقات أوسلو مرورًا بشرم الشيخ وصولًا إلى تفاهمات وقف إطلاق النار المتكررة، أن الاتفاقات لا تفشل غالبًا بسبب ضعف نصوصها، وإنما نتيجة اختلال موازين القوة، وغياب الضمانات الملزمة، واستمرار الاحتلال في استخدام الزمن والميدان لإعادة تفسير التزاماته، أو فرض وقائع جديدة تُفرغ الاتفاقات من مضمونها. ومن ثم، فإن الاتفاق الحالي يدخل أخطر مراحله؛ إذ ينتقل من حيز النصوص إلى اختبار الإرادات السياسية، حيث سيكون التنفيذ هو المعيار الوحيد للحكم عليه.

أولًا: اختبار الإرادة الإسرائيلية

يمكن القول إن الكرة انتقلت، بدرجة غير مسبوقة، إلى الملعب الإسرائيلي. فبعد أن أعلنت الفصائل الفلسطينية موافقتها على خارطة الطريق، وأكد الوسطاء ومجلس السلام جاهزية الانتقال إلى التنفيذ، لم يعد بإمكان حكومة الاحتلال الاستمرار في تبرير الحرب بزعم غياب شريك فلسطيني أو رفض المبادرات المطروحة.

لكن هذا لا يعني أن إسرائيل أصبحت شريكًا راغبًا في إنجاح الاتفاق. فحكومة بنيامين نتنياهو تواجه معادلة معقدة؛ فمن جهة، يصعب عليها رفض المبادرة بصورة صريحة في ظل الضغوط الأمريكية والإقليمية والدولية، ومن جهة أخرى، تخشى أن يؤدي تنفيذها إلى تقويض الرواية التي بنت عليها استمرار الحرب، والقائمة على استحالة التوصل إلى ترتيبات انتقالية مع حركة حماس، كما تخشى أن ينعكس أي انسحاب كامل أو وقف دائم للحرب على مستقبلها السياسي الداخلي.

ولهذا، تبدو إسرائيل أقرب إلى تبني سياسة “القبول المشروط”؛ أي الموافقة السياسية على الاتفاق، مع محاولة إعادة تشكيله أثناء التنفيذ عبر إبطاء الانسحاب، وإعادة تفسير بنوده، وربط كل مرحلة بشروط أمنية إضافية، بما يسمح لها بالحفاظ على أكبر قدر ممكن من السيطرة العسكرية والسياسية على قطاع غزة.

ثانيًا: السيناريوهات المحتملة

في ضوء المعطيات الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

السيناريو الأول: نجاح الاتفاق في تحقيق أهدافه الإنسانية والسياسية الانتقالية (السيناريو الأفضل)

يقوم هذا السيناريو على ممارسة الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، مدعومة بإرادة دولية فاعلة، ضغوطًا حقيقية على إسرائيل لإلزامها بتنفيذ التزاماتها، بما يشمل وقفًا دائمًا لإطلاق النار، وانسحابًا تدريجيًا وفق جدول زمني واضح، وتمكين اللجنة الوطنية من مباشرة مهامها، وانتشار قوة الاستقرار الدولية، وإطلاق عملية التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وفي هذه الحالة، يحقق الاتفاق غايته الأساسية بوصفه اتفاقًا انتقاليًا لإنقاذ غزة، وليس تسوية نهائية للصراع، إذ يوفر الحماية للسكان، ويوقف الحرب، ويعيد تشغيل المؤسسات والخدمات، ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن البناء عليها سياسيًا في المستقبل.

السيناريو الثاني: التنفيذ الجزئي والتعطيل التدريجي (السيناريو الأكثر ترجيحًا)

ويبدو هذا السيناريو الأقرب إلى الواقع في ضوء السلوك الإسرائيلي التاريخي. فقد توافق إسرائيل على الاتفاق تحت ضغط الوسطاء، لكنها تعمل على إبطاء التنفيذ، وربط الانسحاب بشروط جديدة، وتوسيع تفسير ملف السلاح، وتأخير إعادة الإعمار، والإبقاء على مساحات واسعة من القطاع تحت السيطرة العسكرية، بما يحول الاتفاق إلى عملية تفاوضية طويلة تستنزف الوقت، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع ميدانية جديدة.

ويمثل هذا السيناريو إعادة إنتاج لتجربة اتفاق شرم الشيخ، حين بقي الاتفاق قائمًا من الناحية الشكلية، لكنه فقد مضمونه العملي بفعل آلاف الخروقات الإسرائيلية، وتوسيع المناطق العازلة، واستمرار الاستهداف العسكري، حتى تحول وقف إطلاق النار إلى غطاء لإعادة ترتيب الاحتلال وليس لإنهائه.

السيناريو الثالث: إفشال الاتفاق والعودة إلى الحرب (السيناريو الأخطر)

يقوم هذا السيناريو على رفض إسرائيل تنفيذ التزاماتها الجوهرية، أو فرض شروط جديدة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه، وعلى رأسها اشتراط نزع السلاح الكامل قبل أي انسحاب. وفي هذه الحالة قد تتجدد العمليات العسكرية، وتتوسع سياسة التهجير، ويستكمل الاحتلال محاولاته لفرض مشروع “غزة الجديدة” وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي للقطاع.

ومع ذلك، فإن كلفة هذا السيناريو أصبحت أعلى بكثير مما كانت عليه في المراحل السابقة، بسبب تنامي الضغوط الدولية، والتبني الأمريكي لخارطة الطريق، والدور الإقليمي المتصاعد لمصر وقطر وتركيا، فضلاً عن تزايد الإدراك الدولي بأن استمرار الحرب يهدد الأمن والاستقرار الإقليميين.

ثالثًا: ما الذي سيحدد مصير الاتفاق؟

إن مستقبل الاتفاق لن تحدده النصوص، بل مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها:

– استعداد الولايات المتحدة للانتقال من دور الوسيط إلى دور الضامن الذي يربط تنفيذ الاتفاق بإجراءات سياسية ودبلوماسية ضاغطة.
– قدرة مصر وقطر وتركيا ومجلس السلام على الحفاظ على وحدة الموقف الدولي، ومنع إعادة فتح التفاوض حول البنود التي جرى التوافق عليها.
– جاهزية اللجنة الوطنية الفلسطينية للاضطلاع بمهامها بسرعة وكفاءة، وإثبات قدرتها على إدارة القطاع بصورة مهنية ومستقلة.
– استمرار التوافق الفلسطيني حول أولوية وقف الحرب وحماية المجتمع الفلسطيني، ومنع الانزلاق إلى صراعات داخلية خلال المرحلة الانتقالية.
– وجود آليات رقابة دولية فعالة، تضمن رصد الخروقات، وربط أي إخلال بالاتفاق بعواقب سياسية وقانونية واضحة.

رابعًا: التقدير الاستراتيجي

تشير الوقائع الحالية إلى أن الاتفاق لا يمثل نهاية للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، بل بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المواجهة من الميدان العسكري إلى ميدان التنفيذ السياسي والقانوني والدبلوماسي.

كما تؤكد أن إسرائيل لم تتخل عن أهدافها الاستراتيجية المتعلقة بإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في قطاع غزة، لكنها أصبحت تعمل ضمن بيئة أكثر تقييدًا بفعل الضغوط الدولية والإقليمية، الأمر الذي يقلص قدرتها على فرض رؤيتها بالقوة العسكرية وحدها.

وفي المقابل، فإن الفصائل الفلسطينية لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره تسوية تاريخية، وإنما باعتباره ضرورة وطنية وإنسانية لوقف حرب الإبادة، وحماية المجتمع الفلسطيني، والحفاظ على الوجود الوطني في قطاع غزة، ومنع الاحتلال من استكمال مشروعه القائم على التهجير والتغيير الديموغرافي.

ومن ثم، فإن نجاح الاتفاق ينبغي أن يُقاس بقدرته على تحقيق هذه الأهداف المباشرة، لا بقدرته على حل القضايا المؤجلة أو معالجة جذور الصراع في هذه المرحلة.

الخاتمة

يقف قطاع غزة اليوم أمام لحظة فارقة قد تحدد ملامح المرحلة المقبلة لسنوات طويلة. فالفرصة المطروحة لم تأتِ نتيجة تبدل جوهري في مواقف الأطراف، وإنما جاءت بفعل التقاء الضرورة الإنسانية مع الضغوط السياسية والإقليمية والدولية، بعد أن بلغت الكارثة الإنسانية حدًا غير مسبوق، وبعد جهود مصرية مكثفة، وإسناد من الوسطاء الإقليميين والدوليين، ومحاولات فلسطينية متأخرة لكنها مهمة لتوحيد المقاربة تجاه أولوية وقف الحرب وإنقاذ المجتمع.

وفي الوقت ذاته، لا ينبغي إغفال أن هذه الفرصة تأخرت، بينما كانت إسرائيل تستثمر الوقت في تكريس وقائع ميدانية جديدة، عبر توسيع نطاق السيطرة العسكرية، وتعميق سياسة التهجير، وتغيير الخريطة الجغرافية للقطاع، بما يجعل أي انسحاب لاحق أكثر تعقيدًا. ومن هنا، فإن مراجعة التجربة الفلسطينية السابقة تبقى ضرورة سياسية واستراتيجية، ليس بهدف توزيع المسؤوليات أو إعادة إنتاج الانقسامات، وإنما لاستخلاص الدروس، ومنع التفرد بالقرار، وتصحيح الاختلالات، وبناء مقاربة وطنية أكثر واقعية تستند إلى فهم دقيق لموازين القوى وطبيعة المشروع الإسرائيلي.

إن الاتفاق الحالي، مهما كانت أهميته، لا ينهي الصراع، ولا يعالج جذوره، ولا يشكل تسوية نهائية للقضية الفلسطينية. لكنه قد يمثل فرصة حقيقية لإنهاء واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخ الشعب الفلسطيني، وفتح نافذة لإنقاذ الإنسان الفلسطيني، واستعادة الحد الأدنى من مقومات الحياة، وتمكين الإدارة المدنية، ومنع تكريس نتائج الحرب كأمر واقع دائم.

غير أن هذه الفرصة ستظل هشة ما لم تُدعَّم بضمانات تنفيذية ملزمة، وآليات رقابة ومساءلة دولية فعالة، وإرادة سياسية حقيقية تفرض احترام الاتفاق على جميع الأطراف، وفي مقدمتها دولة الاحتلال.

وعليه، فإن الأولوية الاستراتيجية الفلسطينية في هذه المرحلة ينبغي أن تتركز على حماية الاتفاق من التعطيل، وعدم تحميله ما لا يحتمل، والعمل على تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، وضمان الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ورفع الحصار، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، باعتبارها الأساس الذي يمكن البناء عليه لاحقًا.

أما القضايا الكبرى، وفي مقدمتها إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وإنهاء الانقسام، وإطلاق عملية سياسية شاملة تنهي الاحتلال وتجسد الدولة الفلسطينية المستقلة، فهي ملفات تتجاوز حدود هذا الاتفاق الانتقالي، وتتطلب رؤية وطنية جامعة، ووحدة فلسطينية حقيقية، وإسنادًا عربيًا، وضمانات دولية، ومرجعية تستند إلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.

وبذلك، فإن نجاح الاتفاق لن يكون نهاية الصراع، لكنه قد يكون بداية الخروج من أكثر مراحله دموية، إذا ما توفرت الإرادة السياسية والضمانات الدولية الكفيلة بتحويله من وثيقة تفاهم إلى واقع ملزم يضع حدًا للحرب، ويفتح الباب أمام مسار وطني وسياسي جديد.