في غزة… ليس كل من نجا يشعر بأنه نجا
هناك سؤال لا يظهر في تقارير الأمم المتحدة، ولا تتوقف عنده نشرات الأخبار، ولا تجيب عنه خرائط الدمار:
كيف يعيش الإنسان بعدما ينجو؟
اعتدنا أن نقيس الحروب بعدد القتلى، وأعداد الجرحى، وحجم الدمار، وعدد النازحين. وهي كلها مؤشرات ضرورية، لكنها لا تروي القصة كاملة. فالحروب لا تغيّر الجغرافيا وحدها، بل تعيد تشكيل النفس البشرية بطرق أكثر هدوءًا، وأكثر قسوة.
من قلب غزة، تعلمت أن الإنسان قد يخرج حيًا من تحت الأنقاض، لكنه قد يبقى سنوات يحاول أن يخرج الأنقاض من داخله.
هذه ليست استعارة أدبية، بل حقيقة أراها كل يوم في وجوه الناس، وفي صمتهم أكثر مما أسمعها في كلماتهم.
بوصفي ابنًا لهذه المدينة، وأعمل في مجال الدعم النفسي، كثيرًا ما ألتقي بأشخاص لا يسألون: “كيف أتعافى؟”، بل يسألون سؤالًا أكثر إيلامًا:
“لماذا بقيت أنا؟”
في البداية كنت أظن أن هذا السؤال تعبير عن شدة الحزن، لكن مع مرور الوقت أدركت أنه يحمل معنى أعمق. إنه ليس سؤالًا عن الموت، بل عن النجاة.
في علم النفس، يُعرف هذا الشعور باسم ذنب الناجين؛ وهو إحساس قد يلازم الإنسان عندما ينجو من كارثة أو حرب بينما يفقد آخرون حياتهم. والمفارقة أن هذا الذنب لا يحتاج إلى خطأ حقيقي. فالناجي لم يختر أن ينجو، ولم يختر الآخرون أن يرحلوا، ومع ذلك يبدأ العقل في بناء محكمة داخلية لا تعرف البراءة.
يعيد الإنسان مراجعة التفاصيل بلا نهاية.
لو خرجت قبل دقائق…
لو تأخرت قليلًا…
لو سلكنا طريقًا آخر…
لو بقيت معهم…
ولو…
ولو…
ولو…
ومع كل “لو”، تتسع المسافة بين الإنسان وبين سلامه الداخلي.
لكن غزة تضيف إلى هذا الشعور بعدًا آخر لا تتحدث عنه الأدبيات النفسية التقليدية بالقدر الكافي. ففي كثير من مناطق العالم، تنتهي الحرب، ثم تبدأ رحلة العلاج. أما هنا، فإن الإنسان يحاول أن يرمم نفسه بينما الخطر ما زال قائمًا، والخسارة ما زالت تتكرر، وعدم اليقين أصبح جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ولهذا، فإن اختزال معاناة الناس في مفهوم “اضطراب ما بعد الصدمة” يبدو قاصرًا. فليس كل ألم يأتي “بعد” الصدمة. أحيانًا تكون الصدمة مستمرة، تتجدد مع كل إنذار، وكل فقد جديد، وكل ليلة ينام فيها الإنسان وهو لا يعرف كيف سيستيقظ صباحًا.
الأصعب من ذلك أن بعض الجروح لا تولد من الخوف، بل من الضمير.
رأيت آباءً يشعرون أنهم خذلوا أبناءهم لأنهم لم يستطيعوا حمايتهم.
وأمهات يعتذرن بصمت لأطفال رحلوا، وكأن الموت كان نتيجة قرار خاطئ اتخذنه.
وأطباء وممرضين يغادرون أماكن عملهم وهم يحملون شعورًا ثقيلًا بالعجز، لا لأنهم قصروا، بل لأن الإمكانات كانت أقل من حجم الكارثة.
هذه ليست مشاعر ضعف.
إنها ما يسميه علماء النفس اليوم الإصابة الأخلاقية؛ حين يصطدم الإنسان بحدود قدرته على فعل الخير، فيبدأ بمعاقبة نفسه على أشياء لم تكن يومًا تحت سيطرته.
ولذلك، فإن الحديث عن الصحة النفسية في غزة ينبغي أن يتجاوز فكرة تقديم جلسة علاج أو نشاط دعم نفسي. هذه تدخلات مهمة، لكنها لا تستطيع وحدها أن تعالج إنسانًا يعيش داخل بيئة ما تزال تنتج الصدمة كل يوم.
فالعلاج لا يبدأ من العيادة فقط، بل يبدأ عندما يشعر الإنسان أن حياته لم تعد مهددة في كل لحظة.
وأن الغد يمكن أن يكون مختلفًا عن الأمس.
وأن النجاة ليست مجرد تأجيل للفقد.
ربما لهذا السبب أخشى أحيانًا من الطريقة التي نتحدث بها عن “الصمود”. فالكلمة، على جمالها، قد تتحول دون قصد إلى عبء جديد. عندما نصف إنسانًا بأنه صامد، قد ننسى أنه يملك أيضًا حق التعب، وحق البكاء، وحق الاعتراف بأنه لم يعد قادرًا على الاحتمال.
الصمود ليس غياب الألم.
بل هو الاستمرار رغم الألم.
وهذا فرق كبير.
إن إعادة إعمار المدن ضرورة لا يختلف عليها اثنان، لكن إعادة إعمار الإنسان أكثر تعقيدًا، وأكثر إلحاحًا.
فالحجر يمكن أن يُعاد بناؤه خلال سنوات.
أما الثقة بالحياة، والشعور بالأمان، والقدرة على النوم دون خوف، فهي أمور لا تُقاس بالإسمنت ولا تُرمم بالخرائط.
ولهذا، فإن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار الذي نراه، بل ذلك الذي يستقر في داخل الإنسان.
هناك من يفقد بيته، ثم يبني بيتًا آخر.
وهناك من يفقد مدينته، ثم يعود إليها
لكن ماذا عن الإنسان الذي فقد يقينه بأن الحياة عادلة؟
من يعيد إليه ذلك؟
إن هذا السؤال، في تقديري، يجب أن يكون جزءًا من أي حديث عن إعادة الإعمار، لأن الأوطان لا تقوم على المباني وحدها، بل على بشر يؤمنون بأن المستقبل يستحق أن يُعاش.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو: كم عدد الذين نجوا؟
بل: كيف نحمي إنسانية الذين نجوا، حتى لا تتحول النجاة نفسها إلى جرحٍ لا يندمل؟