في مشهد انتخابي يعكس عمق الانقسام السياسي داخل إسرائيل، يتقدم حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو في عدد المقاعد، بينما لا تزال معركة تشكيل الحكومة مفتوحة على أكثر من احتمال. فالتقدم في صناديق الاقتراع لا يعني بالضرورة ضمان الأغلبية البرلمانية، ولا يحسم وحده هوية رئيس الحكومة المقبل.
وبحسب النتائج الجزئية المنشورة صباح الأربعاء 28 أكتوبر/تشرين الأول 2026، بعد فرز أكثر من نصف الأصوات، حصل معسكر نتنياهو على نحو 56 مقعدًا، مقابل نحو 49 مقعدًا للمعسكر المعارض، فيما توزعت المقاعد المتبقية على الأحزاب العربية. وأظهرت النتائج أن حزب الليكود يتصدر بوصفه أكبر حزب منفرد، لكن المعسكر الذي يقوده لا يزال دون عتبة الأغلبية المطلوبة لتشكيل حكومة.
وتكمن أهمية هذه الأرقام في أنها تضع نتنياهو أمام معادلة مزدوجة: التقدم على مستوى الحزب، مقابل استمرار الحاجة إلى تفاهمات مع أحزاب أخرى لضمان أغلبية مستقرة داخل الكنيست، المؤلف من 120 مقعدًا، حيث يتطلب تشكيل الحكومة تأمين دعم 61 عضوًا على الأقل.
الليكود في المقدمة.. والأغلبية هي الاختبار الحقيقي
تمنح صدارة الليكود نتنياهو ورقة سياسية مهمة في مفاوضات ما بعد الانتخابات، إذ يستطيع الاستناد إلى موقع حزبه في النتائج للمطالبة بقيادة الحكومة المقبلة. غير أن الحسابات البرلمانية أكثر تعقيدًا من ترتيب الأحزاب؛ فالفارق بين الحزب الأكبر والائتلاف القادر على الحكم قد يكون حاسمًا في تحديد مستقبل السلطة.
وتشير النتائج الجزئية إلى أن معسكر نتنياهو لم يصل بعد إلى 61 مقعدًا، ما يعني أن عليه البحث عن دعم إضافي، في وقت يسعى فيه خصومه إلى بناء ائتلاف بديل. كما أن الأرقام لا تزال قابلة للتغيير مع استمرار الفرز واحتساب الأصوات التي تُفرز في مراحل لاحقة، بما فيها أصوات الجنود وبعض الفئات التي تصوّت عبر مظاريف خاصة.
الأحزاب العربية.. مقاعد قد تغيّر الحسابات
في المقابل، تكتسب الأحزاب العربية أهمية متزايدة في معادلة تشكيل الحكومة، بعدما أظهرت النتائج الجزئية حصولها مجتمعة على نحو 15 إلى 16 مقعدًا. ويضعها هذا التمثيل في موقع مؤثر عند حساب إمكانات تشكيل ائتلاف، خصوصًا إذا بقي المعسكران الرئيسيان دون الأغلبية.
لكن امتلاك هذه المقاعد لا يعني تلقائيًا انضمام الأحزاب العربية إلى أي حكومة؛ إذ تحكم ذلك مواقف الأطراف السياسية وشروط المشاركة أو الدعم من خارج الائتلاف. كما أن بعض قادة المعسكر المعارض أعلنوا مواقف رافضة للاعتماد على الأحزاب العربية، ما يزيد صعوبة الوصول إلى أغلبية بديلة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية في المشهد: قد يتقدم نتنياهو وحزبه في عدد المقاعد، بينما تظل قدرة خصومه على تشكيل الحكومة مرتبطة بمواقف أحزاب أخرى وبمدى استعدادهم لتقديم تنازلات سياسية.
هل تعني الصدارة تجديد الثقة بنتنياهو؟
لا يمكن قراءة تقدم الليكود باعتباره تفويضًا مطلقًا لنتنياهو، كما لا يمكن اعتبار تراجع معسكره عن تحقيق أغلبية مستقلة نهاية فورية لمسيرته الحكومية. فالنتائج الانتخابية تقيس توزيع المقاعد، أما تشكيل الحكومة فيخضع لمفاوضات وائتلافات وتفاهمات قد تغير شكل السلطة بعد التصويت.
وتأتي هذه الانتخابات في ظل انقسامات داخلية بشأن الإخفاقات الأمنية التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتداعيات الحرب على غزة، إلى جانب الخلافات حول التجنيد الإلزامي للحريديم والعلاقة بين الحكومة والمؤسسات القضائية. وهي ملفات ستظل حاضرة في المفاوضات، سواء بقي نتنياهو في رئاسة الحكومة أو تشكلت حكومة جديدة بقيادة خصومه.
السيناريوهات المقبلة.. حكومة جديدة أم استمرار المراوحة؟
تفتح النتائج الحالية الباب أمام عدة مسارات: نجاح نتنياهو في استقطاب دعم إضافي لتشكيل حكومة يمينية، أو تمكن المعارضة من التوصل إلى تفاهمات تتيح لها تشكيل ائتلاف بديل، أو استمرار الانسداد السياسي إذا أخفق الطرفان في جمع الأغلبية المطلوبة.
وفي حال تعذر تشكيل حكومة، قد تطول المفاوضات ويبقى نتنياهو في موقع رئيس حكومة تصريف الأعمال خلال الفترة الانتقالية، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق أو يُفتح الطريق أمام انتخابات جديدة. وقد أشارت رويترز إلى أن تقارب المعسكرين وعدم امتلاك أي منهما أغلبية واضحة يجعلان المفاوضات عاملًا حاسمًا في تحديد هوية الحكومة المقبلة.
غزة أمام سؤال التغيير
بالنسبة إلى الفلسطينيين، لا تكمن أهمية الانتخابات في اسم رئيس الحكومة الإسرائيلي وحده، بل في السياسات التي ستُعتمد بعد تشكيل الحكومة بشأن قطاع غزة والضفة الغربية، ووقف إطلاق النار، وإدخال المساعدات، وإعادة الإعمار، والوجود العسكري الإسرائيلي.
ولا تقدم صدارة الليكود وحدها إجابة عن هذه الملفات، كما أن انتقال السلطة إلى خصوم نتنياهو لا يضمن تلقائيًا تحولًا جوهريًا في السياسة الإسرائيلية. وسيبقى الاختبار الفعلي في القرارات التي تتخذها الحكومة المقبلة، وفي مدى انعكاسها على الأوضاع الميدانية والإنسانية والسياسية للفلسطينيين.
الخلاصة
نتنياهو يتقدم في عدد المقاعد، لكن حسم الحكم لم يتحقق بعد. فصدارة الليكود تمنحه موقعًا تفاوضيًا مهمًا، إلا أن بقاء معسكره دون الأغلبية المطلوبة يبقي الباب مفتوحًا أمام مفاوضات معقدة قد تنتهي بحكومة يمينية جديدة، أو ائتلاف بديل، أو استمرار الأزمة السياسية.
وبين أرقام الفرز وحسابات التحالفات، تبقى المرحلة التالية هي الأهم: ليس فقط لمعرفة من تصدر الانتخابات، بل لمعرفة من يستطيع جمع 61 مقعدًا وتحويلها إلى حكومة قادرة على الاستمرار.