تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الساحة

عاجل
Home / غير مصنف / كيف تحوّل المشروع الوطني من قيادة التحرر إلى إدارة السلطة و الكارثة؟

كيف تحوّل المشروع الوطني من قيادة التحرر إلى إدارة السلطة و الكارثة؟

د. صلاح عبد العاطي
موت السياسة وانتحار الفكر السياسي الفلسطيني..
وكيف تحوّل المشروع الوطني من قيادة التحرر إلى إدارة السلطة و الكارثة؟
مقاربة فكرية نقدية واستراتيجية لإعادة بناء المشروع الوطني واستعادة السياسة

ليست أخطر الهزائم في تاريخ الشعوب تلك التي تقع في ميدان القتال، وإنما تلك التي تقع في ميدان الفكر. فالهزيمة العسكرية قد تكون عابرة، أما الهزيمة الفكرية فإنها تعيد إنتاج نفسها في كل معركة، لأنها تصيب العقل الذي يصنع القرار قبل أن تصيب اليد التي تنفذه. ولهذا لم يكن الاحتلال، عبر التاريخ، يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل كان يسعى دائمًا إلى السيطرة على السياسة، وإلى إفقاد الشعوب قدرتها على التفكير الحر، وعلى مراجعة تجاربها، وعلى إنتاج بدائل جديدة.

والقضية الفلسطينية، التي كانت طوال عقود أحد أكثر مشاريع التحرر الوطني حضورًا في الوعي الإنساني، تقف اليوم أمام مفارقة تاريخية غير مسبوقة. فبينما تتصاعد وحشية المشروع الاستعماري الإسرائيلي إلى مستوى حرب إبادة تستهدف الإنسان والأرض والذاكرة معًا، تتراجع في المقابل قدرة النظام السياسي الفلسطيني على إنتاج سياسة بحجم الكارثة، أو فكر قادر على تفسيرها وتجاوزها. ولم تعد الأزمة مقتصرة على اختلال موازين القوى مع الاحتلال، بل امتدت إلى اختلال البنية الفكرية والسياسية التي يفترض أن تقود الشعب في معركة التحرر.

إن الاحتلال يبقى المسؤول الأول، قانونًا وأخلاقًا وسياسة، عن جرائم الإبادة والتهجير والاستيطان والضم والتجويع، ولا يجوز لأي نقد داخلي أن يساوي بين الجلاد والضحية أو أن ينقل عبء الجريمة إلى الشعب الواقع تحت الاحتلال. غير أن عدالة القضية لا تعفي الحركة الوطنية من واجب مراجعة ذاتها، لأن الشعوب لا تنتصر بعدالة حقوقها وحدها، وإنما بقدرتها على تحويل هذه العدالة إلى مشروع سياسي عقلاني، وإلى مؤسسات وطنية، وإلى قيادة تتعلم من التجربة أكثر مما تتغذى على الشعارات.

إن المأزق الفلسطيني الراهن ليس وليد السابع من أكتوبر، ولا هو نتيجة الحرب على غزة وحدها، بل هو حصيلة مسار طويل تآكلت خلاله السياسة، وانكمشت المؤسسات، وتعطلت آليات التجديد، وتقدمت التنظيمات على الوطن، والسلطة على التحرير، والولاء على الكفاءة، والشعار على الفكرة، حتى أصبح المشروع الوطني نفسه مهددًا بأن يفقد وظيفته التاريخية.

فالسياسة تموت عندما تكف عن إنتاج المستقبل، وتتحول إلى إدارة للأزمة. والفكر ينتحر عندما يفقد قدرته على مراجعة نفسه، ويغدو أسير يقينيات مغلقة تفسر كل الوقائع بما يحافظ على صحتها، بدل أن تجعل من الوقائع معيارًا لاختبارها. وحين يجتمع موت السياسة مع انتحار الفكر، تصبح الهزائم قابلة للتكرار، لأن العقل الذي أنتجها يرفض الاعتراف بها أصلًا.

ولعل أخطر ما كشفته حرب الإبادة الأخيرة ليس فقط حجم القوة العسكرية الإسرائيلية الاجرامية، وإنما حجم الفراغ السياسي الفلسطيني. ففي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تخوض حربًا متعددة المستويات، عسكرية وديموغرافية وقانونية وإعلامية وجيوسياسية، بقي الفلسطينيون أسرى انقسامهم، وسجناء تداعيات الإبادة وصراعهم على السلطة و الشرعية، وغارقين في جدل السلطة أكثر من انشغالهم بإعادة بناء المشروع الوطني.

لقد تحولت السياسة، في كثير من الأحيان، من فن لإدارة الصراع مع الاحتلال إلى فن لإدارة الخلاف الداخلي. وأصبحت السلطة غاية بعد أن كانت وسيلة، والتنظيم مقصدًا بعد أن كان أداة، وتراجع السؤال الكبير: كيف نحرر فلسطين؟ ليحل محله سؤال أصغر وأكثر ضيقًا: من يحكم الفلسطينيين؟

ومن هنا تنطلق هذه المقالة من فرضية مركزية مفادها أن الأزمة الفلسطينية الراهنة ليست أزمة احتلال فقط، ولا أزمة قيادة فقط، وإنما أزمة بنية سياسية وثقافة فكرية معًا؛ أزمة فقدت فيها السياسة معناها بوصفها أداة للتحرر، وفقد الفكر وظيفته بوصفه أداة للنقد والتجديد. ولا سبيل إلى استعادة المشروع الوطني إلا باستعادة السياسة من قبضة السلطة، واستعادة الفكر من أسر الدوغما، وإعادة الاعتبار للمؤسسة، وللحرية، وللمراجعة، وللإنسان الفلسطيني بوصفه غاية المشروع الوطني لا وسيلته.

فالأمم لا تنهزم لأنها تخسر معركة، وإنما لأنها تعجز عن تحويل الهزيمة إلى معرفة، والمعرفة إلى مراجعة، والمراجعة إلى مشروع جديد. وهنا يكمن السؤال الذي سيحدد مستقبل فلسطين لعقود مقبلة: هل يمتلك الفلسطينيون الشجاعة الفكرية والسياسية للانتقال من الدفاع عن الخيارات الماضية إلى صناعة الخيارات القادمة؟
أولاً: موت السياسة… حين تتحول السلطة إلى بديل عن الوطن

لا تموت السياسة عندما تخسر معركة، ولا عندما تفشل في تحقيق هدف، فالفشل جزء من كل تجربة إنسانية، وحركات التحرر الكبرى لم تُبنَ على انتصارات متصلة، وإنما على قدرتها على التعلم من الهزائم، وتصحيح مساراتها، وتجديد أدواتها. إن السياسة تموت عندما تفقد وظيفتها الأصلية، فتتحول من وسيلة لتحقيق المصلحة الوطنية إلى غاية قائمة بذاتها، ومن أداة لإدارة الصراع مع العدو إلى وسيلة لإدارة الصراع داخل المجتمع.

وهذا، في تقديري، هو التحول الأخطر الذي أصاب الحالة الفلسطينية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

فقد نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن الشعب الفلسطيني يحتاج إلى إطار سياسي يقود معركة التحرر، ويوحد الإرادة الوطنية، ويجعل من المؤسسات الوطنية أدوات لخدمة هدف واحد هو إنهاء الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير. كانت السياسة آنذاك مشروعًا للتحرير، وكانت الشرعية تُقاس بمدى الالتصاق بالقضية، لا بمدى السيطرة على المؤسسات.

لكن هذا المنطق أخذ يتبدل تدريجيًا، حتى انقلبت العلاقة بين الوسيلة والغاية. أصبحت السلطة، التي كان يفترض أن تكون أداة في خدمة المشروع الوطني، مركز المشروع نفسه، وأصبح الحفاظ عليها هدفًا سياسيًا قائمًا بذاته، بينما تراجع سؤال التحرير إلى المرتبة الثانية، وأحيانًا الثالثة.

وهكذا انتقل النظام السياسي الفلسطيني، بصورة تدريجية، من إدارة الصراع مع الاحتلال إلى إدارة الصراع على السلطة، ثم إلى إدارة الانقسام، حتى أصبحت السياسة تدور في فضاء مغلق، تتحرك داخله القوى الفلسطينية حول أسئلة الشرعية، والمحاصصة، والنفوذ، وآليات الحكم، أكثر مما تتحرك حول سؤال التحرر الوطني.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ إذ بينما كان الاحتلال يعيد رسم الجغرافيا الفلسطينية عبر الاستيطان والضم والتهجير والحرب، كان الفلسطينيون يعيدون رسم خرائط النفوذ داخل الجغرافيا المتبقية لهم.

وليس المقصود بذلك أن الصراع على السلطة هو سبب كل الأزمات، وإنما أن السلطة تحولت من وسيلة إلى غاية، ومن وظيفة إلى هوية، ومن مرحلة انتقالية إلى بنية دائمة تدافع عن نفسها أكثر مما تدافع عن المشروع الوطني.

وهذا التحول لم يكن نتاج طرف واحد، بل أصبح سمة عامة للنظام السياسي الفلسطيني بأسره. فالسلطة في الضفة الغربية، والسلطة في قطاع غزة، رغم اختلاف الخطاب والأيديولوجيا، انتهتا إلى إنتاج منطق سياسي متقارب يقوم على حماية المجال السلطوي، والدفاع عن شرعيته، وإعادة إنتاجه، ولو على حساب الوحدة الوطنية وتجديد المؤسسات.

لقد أصبحت الدولة الغائبة أقل حضورًا من السلطة القائمة، وأصبح الحفاظ على السلطة أكثر إلحاحًا من بناء الدولة، وأصبح الصراع على إدارة الفلسطينيين يسبق الصراع على إنهاء الاحتلال.
وهنا تموت السياسة؛ لأن السياسة في جوهرها ليست إدارة للحكم، وإنما إدارة للمصلحة الوطنية. فإذا أصبحت السلطة هدفًا مستقلًا، انفصلت السياسة عن وظيفتها، وتحولت إلى نشاط إداري يفتقد البوصلة التاريخية.
ولذلك فإن أخطر ما أصاب المشروع الوطني الفلسطيني ليس الانقسام في ذاته، بل تطبيع الانقسام، وتحويله إلى جزء من بنية النظام السياسي، حتى أصبح كثير من الفاعلين يتعاملون معه باعتباره واقعًا دائمًا، لا أزمة ينبغي إنهاؤها.
ومن هنا بدأ الوطن يتراجع بوصفه الإطار الجامع، لتحل محله التنظيمات، وأصبحت المؤسسة الوطنية أقل وزنًا من المؤسسة الحزبية، وأصبحت شرعية التنظيم تتقدم على شرعية الشعب، وصار الدفاع عن الموقع التنظيمي يُقدَّم أحيانًا بوصفه دفاعًا عن القضية نفسها.
وهكذا نشأت حالة من الانفصال بين السياسة والمجتمع؛ إذ لم تعد السياسة تعبر عن حركة المجتمع بقدر ما أصبحت تعبر عن احتياجات البنية السلطوية ذاتها. وعندما يحدث هذا الانفصال، تتحول السلطة إلى غاية، ويتحول الوطن إلى خطاب، بينما يصبح الإنسان الفلسطيني هو الطرف الذي يدفع الثمن من أمنه وحقوقه ومستقبله.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يحكم؟، بل: لأجل ماذا يُحكم؟ وهل ما زالت السلطة تؤدي وظيفتها الأصلية باعتبارها أداة لخدمة مشروع التحرر، أم أصبحت مشروعًا قائمًا بذاته يبحث عن وسائل بقائه، حتى لو تقلص الوطن الذي يفترض أن يحكمه؟

إن كل تجربة تحرر وطني تفقد قدرتها على التمييز بين السلطة والوطن تكون قد بدأت، من حيث لا تدري، رحلة الابتعاد عن أهدافها الأولى. فالوطن أكبر من السلطة، والقضية أوسع من التنظيم، والشرعية الحقيقية لا تُستمد من السيطرة على المؤسسات، وإنما من القدرة على تجديد المشروع الوطني، وحماية الإنسان، وصون الحقوق، وتوحيد الإرادة الجماعية.

ولهذا فإن استعادة السياسة تبدأ من استعادة هذه الحقيقة البسيطة: أن السلطة ليست وطنًا، وأن التنظيم ليس قضية، وأن الحكم ليس هدفًا، بل وسيلة لخدمة هدف أكبر هو الحرية. عندما تنقلب هذه المعادلة، يصبح الصراع على الحكم أهم من الصراع على الوطن، وتبدأ السياسة رحلتها نحو الموت.
ثانياً: انتحار الفكر السياسي… عندما يصبح اليقين بديلاً عن الحقيقة

إذا كان موت السياسة يعني فقدان القدرة على إدارة المستقبل، فإن انتحار الفكر يعني فقدان القدرة على مراجعة الماضي.

فالسياسة قد تخطئ، لكن الفكر هو الذي يصححها. وإذا أصيب الفكر نفسه بالعطب، أصبحت الأخطاء تتكرر، لأن العقل الذي أنتجها يرفض الاعتراف بها.

وهنا تكمن المأساة الفلسطينية.

إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية الفلسطينية ليس الانقسام في حد ذاته، بل انهيار الثقافة النقدية التي كانت تمثل، تاريخياً، أحد أهم مصادر قوة الحركة الوطنية. فقد كانت الثورة الفلسطينية، في مراحلها الأولى، فضاءً واسعاً للاجتهاد الفكري، والنقاش السياسي، وإعادة تقييم التجربة، بينما أصبح المجال العام اليوم أكثر ميلاً إلى اليقين المغلق من ميله إلى الحوار الحر.

لقد فقد الفكر السياسي الفلسطيني، لدى معظم مكوناته، أهم وظائفه؛ وهي القدرة على الشك المنهجي، وعلى مساءلة المسلمات، وعلى إعادة اختبار الأفكار في ضوء الوقائع.

وحين يفقد الفكر هذه القدرة، يتحول إلى عقيدة.

والعقيدة السياسية، حين تنغلق على ذاتها، لا تعود تبحث عن الحقيقة، بل تبحث عن الأدلة التي تثبت أنها كانت على حق منذ البداية.

وهنا يبدأ الواقع في فقدان قيمته بوصفه معياراً للحكم على السياسات.
فالنجاح يُفسَّر باعتباره دليلاً على صحة الفكرة.
أما الفشل، فلا يؤدي إلى مراجعة الفكرة، بل إلى إعادة تفسير الواقع.
مرة يقال إن الهزيمة مؤامرة.
ومرة إنها ابتلاء.
ومرة إنها نتيجة تقصير الآخرين.
ومرة إنها ثمن لا بد من دفعه.
لكن الفرضية الأصلية تبقى دائماً خارج دائرة المراجعة.
وهذه هي الدوغمائية في معناها الفلسفي.
ليست الدوغمائية أن يمتلك الإنسان قناعة، بل أن تصبح القناعة أكبر من الوقائع، وأن يصبح الدفاع عنها أهم من اختبارها.

وعندما تصل السياسة إلى هذه المرحلة، تتحول من تجربة إنسانية قابلة للتصحيح إلى منظومة مغلقة لا تتعلم من أخطائها.
ولهذا فإن المشكلة ليست أن القوى الفلسطينية أخطأت.
كل تجارب التحرر أخطأت.
لكن الفرق أن الأمم الحية تجعل من الخطأ بداية للمراجعة، بينما تجعل الأمم المأزومة من الخطأ سبباً لمزيد من التمسك بالأفكار نفسها.
لقد أصبح الاعتراف بالخطأ، في الثقافة السياسية الفلسطينية، أقرب إلى الاعتراف بفقدان الشرعية.

ولهذا لا يراجع أحد.
ولا يعتذر أحد.
ولا يحاسب أحد.
ولا يُسأل أحد.
وكأن التاريخ لا يبدأ إلا من لحظة اتخاذ القرار، ولا ينتهي مهما كانت نتائجه.
إن أخطر ما أنتجته هذه الثقافة أنها ألغت الفرق بين النقد والعداء.
فلم يعد المختلف شريكاً في البحث عن الحقيقة، بل صار خصماً يجب إسقاطه.
ولم يعد السؤال عن جدوى القرار مشروعاً، بل أصبح سؤالاً عن ولاء صاحبه.
وهكذا تحولت السياسة إلى معركة هوية، لا إلى معركة أفكار.
وأصبح الانتماء التنظيمي أهم من سلامة التحليل.
وأصبح الدفاع عن القيادة أكثر أهمية من الدفاع عن الوطن.
ومن هنا انتشرت ظاهرة التخوين بوصفها بديلاً عن التفكير.
فالقيادة التي تعجز عن الرد بالحجة، تلجأ إلى إسقاط صفة الوطنية عن منتقديها.
والتنظيم الذي يخشى المراجعة، يجرّم السؤال.
والفكر الذي يفقد الثقة بنفسه، يبحث عن حماية أخلاقية، لا عن إجابة عقلية.
ولذلك لم يعد المجال العام الفلسطيني ينتج نقاشاً سياسياً بقدر ما ينتج اصطفافات مغلقة.
فإما أن تكون معنا بالكامل.
أو تُصنَّف ضدنا بالكامل.
ولا مكان بين المنزلتين.
هذه الثنائية ليست مجرد أزمة خطاب.

إنها أزمة حضارية.
لأن المجتمعات لا تتقدم عبر الإجماع، وإنما عبر الاختلاف المنظم.
ولا تنضج الأفكار داخل البيئات المغلقة، وإنما داخل فضاءات الحرية.
ولهذا فإن كل سلطة تخاف النقد، إنما تخاف المستقبل.
وكل تنظيم يشيطن المختلفين، إنما يعلن، من حيث لا يدري، إفلاسه الفكري.
ولعل المأساة الأكبر أن هذه الثقافة لم تعد حكراً على النخب السياسية، بل تسربت إلى المجتمع نفسه، فأصبح جمهور كل فصيل يرى الحقيقة من خلال تنظيمه، لا من خلال الوقائع، وأصبح الانتماء بديلاً عن التفكير، والتصفيق بديلاً عن الحوار، والدفاع عن الزعيم بديلاً عن الدفاع عن الفكرة.

وهنا لا يعود الوطن هو المرجعية العليا.
بل تصبح الجماعة هي الوطن.
ويصبح التنظيم هو التاريخ.
وتصبح القيادة هي الحقيقة.
وعندما تبلغ الحياة السياسية هذه المرحلة، فإنها لا تعود قادرة على إنتاج مشروع تحرري، لأنها تكون قد فقدت الشرط الأول لكل تحرر: حرية العقل.

إن الاحتلال يستطيع أن يحتل الأرض بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يحتل العقل إلا إذا تنازل العقل بنفسه عن حقه في السؤال.

ولهذا فإن استعادة المشروع الوطني تبدأ، قبل أي شيء آخر، بتحرير الفكر من عبودية اليقين، وإعادة الاعتبار للنقد، وللمراجعة، ولحق المجتمع في مساءلة قياداته، لأن الأمم التي لا تراجع نفسها محكوم عليها بأن تعيش أخطاءها جيلاً بعد جيل.

فالسياسة تموت حين تنفصل عن الوطن، أما الفكر فينتحر حين ينفصل عن الحقيقة. وبين موت السياسة وانتحار الفكر، تضيع الأوطان، لا لأن أعداءها كانوا أقوى فحسب، بل لأن أبناءها فقدوا القدرة على رؤية أخطائهم قبل أن تتحول إلى مصير.
ثالثاً: من الاختلاف إلى التخوين… كيف أُغلقت السياسة على نفسها؟

ليست المشكلة في وجود الخلاف؛ فالاختلاف هو المادة الخام للسياسة، وهو الذي يسمح بتعدد البدائل، وتصحيح المسارات، وتجديد النخب. أما حين يتحول الاختلاف إلى خصومة وجودية، ويصبح الرأي المخالف جريمة أخلاقية أو وطنية، فإن السياسة تغادر فضاءها الطبيعي وتدخل فضاء العصبيات المغلقة.

لقد شهدت الحياة السياسية الفلسطينية، خلال العقود الأخيرة، تحولاً خطيراً في طبيعة إدارة الخلاف. فلم يعد النقاش يدور حول الأفكار والبرامج والخيارات، بل حول النوايا والولاءات والانتماءات. وتراجع سؤال: “هل هذا القرار صحيح؟” ليحل محله سؤال: “مع من يقف صاحب هذا الرأي؟”

وهكذا أُحِلَّت محاكم النوايا محل محاكم الأفكار، وأصبح التصنيف أسرع من التحليل، والاتهام أسهل من الإجابة.

ولذلك لم تعد لغة التخوين مجرد انفعال سياسي، بل أصبحت آلية لإدارة المجال العام. فبدلاً من تفكيك الحجة، يجري تفكيك صاحبها. وبدلاً من الرد على الفكرة، يُطعن في وطنيته أو أخلاقه أو ارتباطاته. وهكذا يتحول الحوار إلى معركة إقصاء، لا إلى عملية بحث جماعي عن الحقيقة.

وهذه الظاهرة ليست حكراً على تيار بعينه، بل أصبحت، بدرجات متفاوتة، سمة عامة في الثقافة السياسية الفلسطينية. فالسلطة تخوّن معارضيها، والمعارضة تخوّن السلطة، والفصائل تتبادل الاتهامات، حتى أصبح الوطن نفسه يضيق بأبنائه، وصارت الوطنية تُمنح وتُسحب بقرار حزبي لا بمعيار المصلحة العامة.

والنتيجة أن المثقف المستقل أصبح موضع شك، والخبير يُنظر إليه بريبة، والباحث الذي يطرح أسئلة مزعجة يُتهم بإضعاف الجبهة الداخلية، بينما يُكافأ من يكرر الخطاب السائد مهما كانت هشاشته.

وحين تُعاقَب الأسئلة وتُكافَأ الطاعة، يتوقف إنتاج الفكر، وتتحول السياسة إلى طقوس ولاء، لا إلى ممارسة عقلانية.

رابعاً: البقاء في السلطة… حين تصبح الدولة رهينة السلطة، والسلطة رهينة البقاء

من أخطر مظاهر الأزمة الفلسطينية أن الصراع على السلطة لم يعد مجرد تنافس على إدارة الشأن العام، بل أصبح صراعاً على البقاء السياسي ذاته.

فالسلطة، بطبيعتها، وسيلة لتنظيم المجتمع وخدمة المشروع الوطني، لكنها عندما تنفصل عن غايتها تتحول إلى كيان يسعى إلى حماية نفسه، حتى لو كان ذلك على حساب المشروع الذي أوجدها.

وهنا تنشأ مفارقة قاتلة: يصبح الحفاظ على السلطة أهم من الحفاظ على الوحدة الوطنية، ويصبح تأجيل الإصلاح أكثر إلحاحاً من إنجازه، ويصبح الخوف من خسارة النفوذ أقوى من الخوف على ضياع الوطن.

لقد دخل النظام السياسي الفلسطيني، في الضفة الغربية وقطاع غزة، في ما يمكن تسميته “منطق إعادة إنتاج السلطة”. أي أن الجزء الأكبر من الطاقة السياسية بات يُستهلك في المحافظة على البنية القائمة، لا في تجديدها أو تجاوزها.

فالمؤسسات لا تُفعَّل لأنها ضرورية، بل تُفعَّل بالقدر الذي يحافظ على التوازنات القائمة. والانتخابات تُؤجل، والإصلاح يُرحَّل، والشراكة تُختزل، لأن كل تغيير حقيقي قد يعيد توزيع القوة والنفوذ.

وهكذا تتحول السلطة إلى غاية مغلقة، ويصبح الوطن مجرد الإطار الذي تتحرك داخله معركة البقاء.

ولذلك فإن الأزمة ليست في وجود سلطة، بل في أن السلطة أصبحت، في كثير من الأحيان، أكبر من المشروع الوطني، بينما يفترض أن تكون أصغر منه وخاضعة له.

إن حركات التحرر لا تُقاس بقدرتها على الوصول إلى السلطة، بل بقدرتها على مغادرتها حين تقتضي المصلحة الوطنية ذلك، وعلى تجديد شرعيتها عبر الناس لا عبر الأمر الواقع.

فالسلطة التي تخاف الشعب، أو تخاف الانتخابات، أو تخاف تداول القيادة، تعلن عملياً أنها فقدت الثقة بمصدر شرعيتها.

خامساً: بين عبادة التنظيم وغياب الوطن

من أخطر التحولات الفكرية التي أصابت الحياة السياسية الفلسطينية انتقال الولاء من الوطن إلى التنظيم.

ففي التجارب الوطنية السليمة، يكون التنظيم أداة لخدمة القضية، وتكون القيادة أداة لخدمة التنظيم، بينما تبقى القضية هي المرجعية العليا.

أما حين يصبح التنظيم هو المرجعية، والقيادة هي معيار الحقيقة، فإن القضية نفسها تبدأ في الانكماش داخل حدود المصلحة التنظيمية.

وهنا تظهر مفاهيم من قبيل: “مصلحة الحركة”، و”حماية التنظيم”، و”الحفاظ على المكتسبات”، بوصفها أولويات تتقدم أحياناً على المصلحة الوطنية الشاملة.

ولا يعود السؤال: ماذا يحتاج الشعب؟

بل يصبح: ماذا يحتاج التنظيم؟

وهذه لحظة خطيرة في تاريخ أي حركة تحرر، لأنها تعني أن المؤسسة التي أُنشئت لخدمة القضية بدأت تطلب من القضية أن تخدم استمرارها.

ولذلك فإن المشروع الوطني الفلسطيني يحتاج اليوم إلى إعادة ترتيب هرم الأولويات:

الوطن قبل السلطة.

الإنسان قبل التنظيم.

المؤسسة قبل الفرد.

الشراكة قبل الاحتكار.

الحقيقة قبل الدعاية.

والمراجعة قبل المكابرة.

فلا يمكن استعادة السياسة دون استعادة هذا الترتيب الأخلاقي والفكري.

إن الأمم لا تضيع فقط عندما يحتلها أعداؤها، بل تضيع أيضاً عندما تتحول أدوات تحررها إلى غايات مستقلة، وعندما يصبح الدفاع عن السلطة بديلاً عن الدفاع عن الوطن، وعندما يُختزل التاريخ كله في بقاء قيادة أو تنظيم.

وفي تلك اللحظة، لا تكون الأزمة أزمة إدارة فحسب، بل أزمة معنى، لأن السياسة تكون قد فقدت رسالتها، والفكر يكون قد فقد حريته، ويصبح الوطن هو الخاسر الأكبر.
سادساً: غياب المؤسسة… حين يُختزل الوطن في قرار فرد، ويُختزل القرار في دائرة ضيقة

من أخطر مؤشرات تراجع السياسة في أي حركة تحرر أن تتراجع المؤسسة لصالح الفرد، وأن يحل الولاء للأشخاص محل الولاء للقانون، وأن تتحول القرارات المصيرية من نتاج مؤسسات وطنية إلى إرادة دوائر مغلقة.

وهذه ليست مجرد أزمة تنظيمية، بل أزمة في فلسفة الحكم نفسها.

فالمؤسسة لا تُبنى لأنها أكثر كفاءة فحسب، بل لأنها تمنع احتكار الحقيقة، وتوزع المسؤولية، وتتيح تصحيح الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث. أما حين يتركز القرار في أيدي قلة محدودة، فإن الخطأ لا يعود احتمالاً، بل يصبح بنية ملازمة للنظام السياسي، لأن القرار لا يمر عبر قنوات النقد والتقييم والمساءلة.

لقد كشفت السنوات الأخيرة، ولا سيما حرب الإبادة على قطاع غزة، عن خلل عميق في بنية القرار الوطني. فالقرارات المتعلقة بالحرب والسلم، وبمصير ملايين الفلسطينيين، وبمستقبل غزة والضفة، لم تكن في كثير من الأحيان ثمرة نقاش وطني جامع داخل مؤسسات تمثيلية، وإنما نتاج دوائر مغلقة، بينما وجد الشعب نفسه مطالباً بتحمل النتائج، دون أن يكون شريكاً في صناعة القرار.

وهنا تكمن المفارقة: كلما كان القرار أكثر مصيرية، تقلصت دائرة المشاركة فيه.

وهكذا غابت المسؤولية الجماعية، وحلت محلها المسؤولية التنظيمية، وغابت المحاسبة لأن المؤسسة غابت، وإذا غابت المؤسسة غابت معها القدرة على مراجعة القرار وتصحيحه.

فالوطن لا يُدار بالإلهام، ولا بالبطولة الفردية، ولا بالشرعية التاريخية وحدها، وإنما يُدار بالمؤسسات، وبالتداول، وبالمساءلة، وبالتوازن بين السلطات، حتى في ظروف التحرر الوطني.

ولذلك فإن إعادة بناء المشروع الوطني تبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسة، لا باعتبارها إجراءً إدارياً، بل باعتبارها الضمانة الوحيدة لعدم اختزال الوطن في شخص، أو فصيل، أو جهاز، أو سلطة.

سابعاً: غياب الديمقراطية… حين تُختزل الشرعية في الماضي

تستمد حركات التحرر شرعيتها من تضحياتها، لكن استمرار هذه الشرعية مرهون بقدرتها على تجديد نفسها.

فالشرعية التاريخية تُحترم، لكنها لا تكفي لإدارة الحاضر وصناعة المستقبل.

والمشكلة الكبرى في الحالة الفلسطينية أن الشرعيات القديمة بقيت حاضرة، بينما تعطلت آليات إنتاج شرعيات جديدة.

توقفت الانتخابات، وجُمِّدت المؤسسات، وتراجعت الحياة البرلمانية، وغابت الرقابة، وضعفت المشاركة الشعبية، وأصبح تداول القيادة استثناءً لا قاعدة.

وهكذا تحولت الشرعية من علاقة متجددة مع الشعب إلى رصيد تاريخي يُستدعى كلما طُرحت أسئلة الإصلاح.

لكن الشعوب لا تعيش بالماضي وحده.

فكل شرعية لا تتجدد تذبل، وكل مؤسسة لا تتجدد تتكلس، وكل قيادة لا تخضع للمساءلة تفقد تدريجياً قدرتها على قراءة الواقع.

إن الديمقراطية ليست ترفاً مؤجلاً إلى ما بعد التحرير، كما جرى الترويج طويلاً، بل هي شرط من شروط التحرير نفسه.

لأن المجتمع الذي لا يملك حرية مساءلة قيادته، لن يستطيع تصحيح أخطائه في الوقت المناسب.

والسياسة التي تخاف الانتخابات، تخاف المجتمع.

والسلطة التي تؤجل الاحتكام إلى الناس، إنما تؤجل تجديد شرعيتها.

ثامناً: الاحتلال يتعلم… ونحن نكرر الأخطاء

ثمة فارق جوهري بين المشروع الصهيوني، رغم طبيعته الاستعمارية والعنصرية، وبين الحالة الفلسطينية من زاوية إدارة المعرفة السياسية.

فالاحتلال، بعد كل حرب، يُجري تحقيقات، ويشكل لجان مراجعة، ويُحاسب القادة، ويعيد صياغة العقائد العسكرية والأمنية والسياسية، لأنه يدرك أن بقاءه مرتبط بقدرته على التعلم.

أما في الحالة الفلسطينية، فإن المراجعة غالباً ما تُستبدل بالتبرير، والمحاسبة بالتخوين، والنقد بالصمت.

وهكذا تتكرر الأخطاء، لا لأن الظروف متشابهة، بل لأن العقل السياسي الذي ينتجها لم يتغير.

إن الأمم لا تتقدم لأنها لا تخطئ، وإنما لأنها لا تكرر الخطأ ذاته بعد أن تدفع ثمنه.

أما حين يتحول الفشل إلى رواية بطولية، والخسارة إلى فضيلة، والمراجعة إلى تهمة، فإن التاريخ يعيد نفسه بصورة أكثر قسوة.

ولذلك فإن أكبر خسارة لا تتمثل في معركة خاسرة، بل في ضياع الدرس الذي كان ي