تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الساحة

عاجل
Home / اقتصــاد / هل بدأت الصين كسر احتكار الغرب؟.. كيف تربح بكين معركة الرقائق خطوة بخطوة؟

هل بدأت الصين كسر احتكار الغرب؟.. كيف تربح بكين معركة الرقائق خطوة بخطوة؟

لم يعد السباق العالمي على أشباه الموصلات يدور حول إنتاج رقائق أسرع أو أصغر حجماً فحسب، بل تحول إلى معركة استراتيجية تحدد مستقبل الاقتصاد العالمي والذكاء الاصطناعي والصناعات العسكرية. وفي هذا السباق، تبدو الصين وكأنها تحقق تقدماً متدرجاً، لكنه ثابت، رغم سنوات من العقوبات الأميركية الهادفة إلى إبطاء تطور قطاع الرقائق لديها.

 

وجاء الإعلان عن بدء تصنيع الصين محلياً أجهزة الطباعة الضوئية الغاطسة بالأشعة فوق البنفسجية العميقة (Immersion DUV)، بالتزامن مع الصعود اللافت لشركة ChangXin Memory Technologies (CXMT)، ليؤكد أن بكين تقترب خطوة جديدة من بناء سلسلة توريد متكاملة لصناعة أشباه الموصلات، تقلل اعتمادها على التكنولوجيا الغربية.

العقوبات لم توقف الصين بل غيرت استراتيجيتها

منذ عام 2019 فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها قيوداً متزايدة على تصدير الرقائق المتقدمة ومعدات تصنيعها إلى الصين، واستهدفت بصورة خاصة شركة ASML الهولندية، المحتكرة عالمياً لأجهزة الطباعة الضوئية الأكثر تطوراً.
وكان الهدف واضحاً، وهو منع الصين من إنتاج رقائق متقدمة تدخل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة الفائقة والأنظمة العسكرية.
لكن بدلاً من انتظار رفع القيود، اختارت بكين مساراً مختلفاً يقوم على تطوير البدائل المحلية، حتى وإن استغرق ذلك سنوات.

 

أجهزة DUV خطوة صغيرة بتأثير كبير

بحسب تقرير نشره موقع «ذا انفورميشن» ونقلته وكالة رويترز، بدأت الصين تصنيع أجهزة Immersion DUV المطورة محلياً، على أن يتم تسليم أولى الوحدات خلال العام الجاري إلى شركات تصنيع الرقائق الكبرى، من بينها SMIC وHua Hong Semiconductor وCXMT.
ورغم أن هذه الأجهزة لا تضاهي حتى الآن أداء معدات ASML من حيث الدقة والموثوقية، فإن أهميتها تكمن في أنها تمنح الصين لأول مرة بديلاً محلياً لمعدات تُعد حجر الأساس في إنتاج عدد كبير من الرقائق التجارية.
وتشير التقديرات إلى أن الإنتاج سيبدأ بنحو خمسة أجهزة خلال العام الجاري، قبل أن يرتفع إلى نحو 20 جهازاً في عام 2027، وهو ما يعكس نهجاً تدريجياً يركز على بناء الخبرة وتحسين الأداء قبل التوسع التجاري.

 

لماذا لا تحتاج الصين إلى الفوز دفعة واحدة؟

يرى خبراء الصناعة أن الصين لا تحتاج إلى منافسة ASML في أحدث تقنياتها فوراً.
فالجزء الأكبر من الرقائق المستخدمة عالمياً لا يعتمد على أحدث تقنيات التصنيع، بل على رقائق ناضجة تدخل في السيارات والأجهزة المنزلية والمعدات الطبية والهواتف الذكية والمعدات الصناعية.
ولهذا، فإن امتلاك معدات DUV محلية قد يكون كافياً لتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب في شريحة واسعة من السوق، حتى قبل الوصول إلى تقنيات EUV الأكثر تقدماً.

 

CXMT الوجه الجديد لطموح الصين

في الوقت نفسه، برزت CXMT بوصفها أحد أهم اللاعبين في استراتيجية بكين لبناء صناعة وطنية متكاملة للرقائق.
فالشركة، المتخصصة في رقائق الذاكرة، أصبحت خلال السنوات الأخيرة محور الاستثمارات الحكومية، وتسعى إلى منافسة شركات مثل Samsung Electronics وSK hynix وMicron في أحد أكثر قطاعات أشباه الموصلات ربحية.
ويمثل حصولها على معدات تصنيع محلية خطوة مهمة لتقليل مخاطر العقوبات، وتعزيز قدرتها على توسيع الإنتاج دون الاعتماد الكامل على الموردين الغربيين.

 

لماذا يقلق الغرب؟

لا يكمن القلق الغربي في إنتاج الصين بضعة أجهزة DUV فقط، بل في الاتجاه العام.
فبكين تستثمر مليارات الدولارات في كل حلقات سلسلة التوريد، بدءاً من المواد الخام والبرمجيات، مروراً بالمعدات، ووصولاً إلى التصميم والتصنيع والتغليف.
وبالتالي، فإن كل نجاح جزئي يقلل تدريجياً من فعالية العقوبات، ويمنح الشركات الصينية خبرة تراكمية قد يصعب احتواؤها مستقبلاً.
ولهذا تدرس الولايات المتحدة تشديد القيود ليس فقط على تصدير المعدات، بل أيضاً على خدمات الصيانة والدعم الفني التي تقدمها الشركات الأجنبية داخل الصين.

 

معركة طويلة وليست انتصاراً نهائياً

ورغم التقدم، لا تزال الفجوة التقنية بين الصين والغرب كبيرة، خصوصاً في أجهزة EUV التي تمثل قمة تكنولوجيا الطباعة الضوئية، إذ تؤكد التقارير أن النموذج الصيني لا يزال في مرحلة التطوير الأولي.
كما أن الأجهزة الصينية الجديدة تحتاج إلى سنوات من الاختبارات وتحسين الأداء قبل أن تنافس المنتجات الغربية على نطاق واسع.
لكن مراقبين يرون أن نجاح الصين لم يعد يُقاس بقدرتها على تجاوز الغرب فوراً، بل بمدى تقليصها تدريجياً للاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية، وهو هدف يبدو أنها تقترب منه عاماً بعد آخر.

 

حرب الرقائق تدخل مرحلة جديدة

تكشف التطورات الأخيرة أن المنافسة العالمية في قطاع أشباه الموصلات لم تعد معركة عقوبات فقط، بل أصبحت سباقاً على بناء منظومات صناعية مستقلة.
وبينما يسعى الغرب إلى الحفاظ على تفوقه التكنولوجي، تعمل الصين على تقليص الفجوة عبر استراتيجية تقوم على الاستثمار طويل الأجل، وتطوير البدائل المحلية، واستغلال كل مساحة تسمح بها القيود المفروضة عليها.
وقد لا تكون أجهزة DUV المحلية أو صعود CXMT نهاية احتكار الغرب، لكنها قد تمثل بداية مرحلة جديدة، يصبح فيها احتواء صناعة الرقائق الصينية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.