الانتخابات الفلسطينية بين الحق الدستوري وإعادة هندسة النظام السياسي
من إدارة العوائق إلى استعادة القرار الشعبي وإعادة تأسيس النظام الوطني الفلسطيني
ورقة موقف سياسية واستراتيجية
د. صلاح عبد العاطي
مقدمة: ليست أزمة موعد، بل أزمة نظام وشرعية وقرار وطني
تقف القضية الفلسطينية أمام لحظة سياسية تتجاوز مسألة تأجيل الانتخابات التشريعية المقررة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمصدر الشرعية، وطبيعة السلطة، وحدود التوافق الفصائلي، وقدرة النظام السياسي على تجديد نفسه في ظل الاحتلال الإسرائيلي والانقسام وتفكك المؤسسات وغياب المحاسبة .
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بموعد الاقتراع، وإنما بمن يملك حق تحديد مستقبل النظام السياسي الفلسطيني، وبالآليات التي تتيح للشعب اختيار ممثليه ومحاسبتهم وتغييرهم.
في أعقاب لقاءات القاهرة، أُعلن عن تفاهمات بين قوى وفصائل فلسطينية بشأن تأجيل الانتخابات واستئناف الحوار الوطني. غير أن المواقف المعلنة تقتضي التمييز بين التفاهم السياسي على التأجيل، واستكمال الإجراءات الرسمية، والاتفاق على موعد بديل وضمانات تنفيذ ملزمة. وقد نقلت وكالة أسوشيتد برس إعلان حركة الجهاد الإسلامي التوصل إلى تفاهمات بشأن التأجيل، في حين لم تؤكد حركة فتح أن القرار النهائي قد حُسم، وبرزت مواقف رافضة للتأجيل خشية أن يتحول إلى تعطيل جديد للاستحقاق الديمقراطي.
لا ينبغي قراءة هذا التطور باعتباره خلافًا إجرائيًا حول توقيت الاقتراع، بل باعتباره اختبارًا لطبيعة النظام السياسي نفسه، هل يستمد شرعيته من إرادة الشعب، أم من الإرادة المنفردة للرئيس ، ام من التفاهمات بين القوى السياسية مع الطرف الذي يدير السلطة ؟ وهل يكون الحوار الوطني طريقًا إلى تجديد المؤسسات، أم بديلًا مفتوحًا عن الانتخابات؟ وهل تُستخدم الظروف الاستثنائية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي وإعادة بناء الوحدة الوطنية، أم تتحول إلى مبررات لإدامة الوضع القائم وإرجاء استحقاقات التغيير؟
فالانتخابات حق دستوري وسياسي أصيل، وليست منحة من القيادة أو مكافأة تمنحها الفصائل حين تتوافق. وقد طال تعطيل الانتخابات العامة إلى حد أصبحت فيه أزمة الشرعية جزءًا بنيويًا من أزمة النظام السياسي، تتداخل فيها التفرد والإقصاء وشخصنة القرار، وتعطل المؤسسات، وفيما يتواصل الانقسام ، وتضعف المساءلة، وتغيب آليات منتظمة لتداول السلطة وتجديد التمثيل، والاخطر ان المؤسسات القائمة عاجزة عن القيام بالادوار المنوطنه بها .
ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن السياق الوطني الأوسع؛ فالاحتلال يسعى إلى فرض وقائع سياسية وجغرافية وديمغرافية، عبر الابادة الجماعية وجرائم الاستيطان والضم الاستعماري وتهويد القدس والتهجير القسري ،و تقوض فرص إقامة دولة فلسطينية مستقلة، فيما يضعف الانقسام قدرة الفلسطينيين على صياغة استراتيجية موحدة لمواجهة هذه التحديات. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح تجديد الشرعية شأنًا إداريًا داخليًا فحسب، بل شرطًا لتعزيز قدرة الشعب الفلسطيني على التمثيل والمقاومة السياسية والقانونية والدبلوماسية، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
تنطلق هذه الورقة من موقف واضح: رفض التأجيل المفتوح، والتمسك بالانتخابات التشريعية والرئاسية، وإعادة بناء المجلس الوطني ومنظمة التحرير على أسس ديمقراطية، ومواجهة المنع الإسرائيلي بخطة وطنية عملية، لا بتحويله إلى مبرر فلسطيني لتعليق الحق في الاختيار.
ولا يعني ذلك تجاهل صعوبة الظروف أو إنكار قدرة الاحتلال على تعطيل العملية الانتخابية، بل يعني رفض منحه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حق تحديد توقيت الحياة السياسية الفلسطينية. فالمطلوب ليس إنكار العوائق، وإنما إدارتها ومواجهتها، وابتكار الوسائل التي تضمن أوسع مشاركة ممكنة، مع بناء نظام سياسي موحد قادر على تمثيل الشعب ومواجهة الاحتلال ومحاسبة المسؤولين.
والسؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش ليس ما إذا كانت الظروف مثالية لإجراء الانتخابات؛ فالظروف الفلسطينية، تحت الاحتلال والانقسام والعدوان وحرب الإبادة لن تكون مثالية. السؤال هو: كيف نحمي الحق الانتخابي في ظل هذه الظروف، وما الضمانات التي تمنع الاستثناء من التحول إلى قاعدة، والتأجيل من التحول إلى آلية حكم؟
أولًا: الحق الانتخابي بين الالتزام الدستوري واستمرار التأجيل
لا يمكن اختزال الانتخابات في عملية تقنية لتوزيع المقاعد، فهي إحدى الآليات الأساسية لتجديد الشرعية، ومحاسبة السلطة، وضمان التعددية، وإعادة بناء العلاقة بين المجتمع والمؤسسات. وعندما تتعطل الانتخابات لسنوات طويلة، لا تتوقف آثار ذلك عند غياب مجلس تشريعي منتخب، بل تمتد إلى ضعف الرقابة على السلطة التنفيذية، وتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات، واتساع الفجوة بين المجتمع ومراكز القرار، وتراجع قدرة المواطنين على التأثير في السياسات التي تمس حياتهم ومستقبلهم، بل تؤدي الى ما ادت اليه من وقائع وانتهاكات طول فترة الانقسام، عدا عن تدهور الأوضاع الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية وتقديم اسؤ النماذج في ادارة الشان العام .
كما و أظهرت تجربة عام 2021 خطورة تأجيل الانتخابات من دون ضمانات تكفل استئنافها. فقد أُرجئ الاستحقاق آنذاك في ظل رفض الاحتلال اجراء الانتخابات في القدس عبر صناديق البريد ، فيما لم ينتج عن التأجيل مسار زمني ملزم ينهي التعطيل بما يمكن الاحتلال من امتلاك فيتو علي إجراء الانتخابات . واليوم، فإن تكرار التأجيل ما يهدد بإعادة إنتاج النتيجة نفسها، حتى لو اختلفت المبررات والسياقات.
المشكلة، إذن، ليست في أن التأجيل قد يُطرح في ظروف استثنائية، بل في أن يصبح خيارًا سهلًا كلما اقترب موعد الاقتراع أو ظهرت مخاوف من نتائجه. فالتأجيل الذي لا يرتبط بمدة محددة، وبأسباب معلنة قابلة للمراجعة، وبغياب الرؤية والبدائل للمواجهة ، وغياب التزامات قابلة للإنفاذ، يتحول عمليًا إلى تمديد للولاية القائمة التي تتعلق فقط بمنصب الرئيس عدا عن حرمان المواطنين من حقهم في الانتخابات وفي المحاسبة والتغيير.
هنا من الاهمبة التأكيد علي انه لا يجوز أن يكون التوافق الفصائلي بديلًا عن التفويض الشعبي. فالفصائل تستطيع الاتفاق على قواعد المنافسة، وضمانات النزاهة، وآليات إدارة المرحلة الانتقالية، لكنها لا تملك تحويل هذا الاتفاق إلى تفويض مفتوح بتعليق حق المواطنين في اختيار ممثليهم. فالشرعية الشعبية لا تُستمد من اتفاق القيادات على تأجيل الاحتكام إلى الشعب، وإنما من احترام حق الشعب في أن يكون مصدر السلطة ومرجعيتها.
كذلك، فإن الحديث عن ضرورة الحوار قبل الانتخابات لا ينبغي أن يُستخدم لفرض تسلسل مغلق يجعل الاتفاق على جميع القضايا الوطنية شرطًا سابقًا للاقتراع. فالحوار والانتخابات ليسا مسارين متعارضين؛ يمكن للحوار أن يعالج الخلافات الكبرى، بينما توفر الانتخابات تفويضًا شعبيًا لتشكيل المؤسسات وإدارة الاختلاف ضمن قواعد ديمقراطية. أما اشتراط التوافق قبل الانتخابات، فيمنح كل طرف القدرة على تعطيل الاستحقاق بحجة عدم اكتمال التفاهمات.
ومن المهم التمييز بين التوافق على قواعد النظام السياسي والتوافق على نتائج المنافسة. فالأول ضرورة ديمقراطية، لأنه يضمن نزاهة الاقتراع وتكافؤ الفرص واحترام الحقوق؛ أما الثاني، إذا تحول إلى اشتراط مسبق لمنع نتائج لا ترضي أطرافًا بعينها، فيفرغ الانتخابات من معناها. فليس مطلوبًا أن تتفق القوى على من يفوز، بل أن تتفق على قواعد نزيهة للمنافسة وعلى احترام النتيجة التي يقررها الناخبون.
فالقاعدة السياسية والدستورية التي ينبغي تثبيتها هي أن الأصل إجراء الانتخابات، وأن أي تأجيل استثنائي يجب أن يكون محدودًا ومعللًا ومقترنًا بموعد بديل ملزم وضمانات تنفيذ ومساءلة، لا أن يتحول إلى قاعدة لإدارة النظام السياسي.
ثانيًا: العائق الإسرائيلي — من التسليم بالمنع إلى إدارة المواجهة
لا خلاف على أن إسرائيل تفرض قيودًا خطيرة على الحياة السياسية الفلسطينية، وتتحكم في جوانب واسعة من الحركة والاتصال والعمل العام، وتستطيع عرقلة الاقتراع في القدس الشرقية، وفرض قيود على الحملات الانتخابية في غزة والضفة الغربية. وتزداد صعوبة هذه التحديات في ظل الحرب والدمار في غزة، والتوسع الاستيطاني، وتكثيف الإجراءات التي تقوض التواصل الجغرافي والسياسي بين الأراضي الفلسطينية.
لكن الاعتراف بهذه الوقائع لا يقود بالضرورة إلى تأجيل الانتخابات. فثمة فرق جوهري بين مواجهة المنع الإسرائيلي بوصفه انتهاكًا لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم واختيار ممثليهم، وبين تحويل هذا المنع إلى مبرر فلسطيني لتعليق الحق إلى أجل غير معلوم.
حيث تتحمل إسرائيل مسؤولية القيود والجرائم والانتهاكات التي تعرقل الحقوق السياسية الفلسطينية، لكن المسؤولية عن المنع تختلف عن مسؤولية الاستجابة له. فمواجهة الاحتلال تقتضي خطة فلسطينية سياسية وقانونية ودبلوماسية شعبية وعملية، تحافظ على الإرادة الوطنية، وتمنع الاحتلال من التحول إلى صاحب حق نقض دائم على الحياة الديمقراطية الفلسطينية.
كما إن إسرائيل تسابق الزمن لفرض وقائع على الأرض عبر العدوان والإبادة والاستيطان والضم والتهويد وتغيير البيئة الديمغرافية والجغرافية، ولا تنتظر اكتمال التوافق الفلسطيني قبل تنفيذ سياساتها.
ولذلك، فإن تعطيل الانتخابات لا يوقف مشروع الاحتلال، بل قد يضعف قدرة الفلسطينيين على إنتاج قيادة موحدة وشرعية متجددة، وعلى بناء استراتيجية وطنية قادرة على مواجهة تلك الوقائع.
بما يجعل المطلوب فلسطيننا هو الانتقال من منطق «لا انتخابات ما دام الاحتلال يمنعها» إلى منطق «كيف نضمن إجراء الانتخابات ونواجه الاحتلال إذا حاول منعها؟». وهذا يقتضي توثيق الجرائم والانتهاكات الإسرائيلية، وحشد المواقف الدولية، ومساءلة الاحتلال عن تعطيل الحقوق السياسية، وتفعيل الأدوات القانونية المتاحة، والضغط لضمان مشاركة الفلسطينيين في القدس، وعدم قبول استبعادها من العملية الانتخابية، وهذا ممكن عبر
تكليف لجنة الانتخابات المركزية، بالتعاون مع خبراء قانونيين وتقنيين مستقلين، بدراسة البدائل الإجرائية التي تضمن أوسع مشاركة ممكنة، بما في ذلك وسائل التسجيل الإلكتروني والتصويت الإلكتروني أو غيرها من الحلول الملائمة حيثما أمكن، وفق القانون وبضمانات صارمة للتحقق من الهوية، وسرية التصويت، وسلامة النتائج، وإمكان التدقيق المستقل. وهذه الخيارات ممكنة وليست بديلا عن ضمان مشاركة القدس وغزة ، وهي خيارات يجب ان تتقدم علي مسالة التسليم المسبق باستحالة الاقتراع.
ولقد اقترحنا سابقا إعداد برتكول يضع سيناريوهات واضحة للتعامل مع المنع الجزئي أو الشامل، بما يحفظ وحدة العملية الانتخابية ومبدأ المساواة بين المواطنين، ويمنع استخدام الصعوبات التقنية لتبرير قرارات سياسية مفتوحة. وتكون لجنة الانتخابات المركزية، لا الفصائل المتنافسة، الجهة المهنية الأساسية لتقييم المتطلبات الفنية والقانونية، مع رقابة مستقلة وتوافق وطني على الإجراءات الاستثنائية، ولعل منح لجنة الانتخابات المركزية كما في كل الدول الديمقراطية قرار تنظيم الانتخابات والإشراف عليها وتنفيذها دون انتظار مرسوم او قرار من اي جهة تنفيذية يجعل حق الانتخاب مكفول للفلسطينيين وليس معلق علي إرادة فرد او سلطة او فصيل .
كما لا ينبغي أن يقتصر هذا الجهد على مخاطبة المجتمع الدولي وخاصة أوروبا لتفسير أسباب التأجيل أو طلب تفهمه، بل يجب مطالبتها بتحمل مسؤولياتها السياسية والقانونية في مواجهة التدخل الإسرائيلي، والضغط لضمان الحق في الاقتراع، ومساندة ترتيبات النزاهة المستقلة. فالمجتمع الدولي الذي يؤكد أهمية الإصلاح والشرعية لا ينبغي أن يتعامل مع منع الاحتلال للانتخابات باعتباره قدرًا لا يمكن مواجهته، فالعائق الإسرائيلي سبب يستوجب المواجهة، وليس تفويضًا فلسطينيًا بتعليق الديمقراطية. وليس مطلوب من الفلسطيني إدارة المنع الإسرائيلي واعفاء إسرائيل من مسؤولياتها عن تعطيل الديمقراطية، كما ان المنع تعني التسليم به، بل بناء بدائل تجعل الحق الانتخابي جزءًا من المواجهة السياسية والقانونية للاحتلال.
ثالثًا: موازين القوى ومخاطر إعادة هندسة النظام السياسي
لا يمكن قراءة التفاهمات بشأن التأجيل بمعزل عن موازين القوى الفلسطينية، والتحالفات المحتملة، وأزمة القيادة القائمة، ومخاوف إعادة توزيع السلطة. فحين تتقاطع مصالح أطراف مختلفة في تجنب انتخابات غير مضمونة النتائج، يصبح من المشروع طرح سؤال سياسي حول ما إذا كان التأجيل استجابة اضطرارية لظروف موضوعية فحسب، أم أنه يتوافق أيضًا مع مصالح قوى تخشى خسارة مواقعها أو تسعى إلى إعادة ترتيب النظام قبل الاحتكام إلى الناخبين.
هنا نشير الى احد المتغيرات التي قد تكون سببا في طلب الرئيس و حركة فتح التأجيل الذي يتمثل في الاعلان عن التحالف الانتخابي غير المألوف الذي برز بين حماس والجهاد الإسلامي والتيار الإصلاحي الديمقراطي الذي يقوده محمد دحلان، واحتمالية انضمام مروان البرغوثي للقائمة وما يمكن أن يتركه ذلك حال إجراء الانتخابات من أثر على موازين المنافسة وحسابات القيادة القائمة، وهنا لايمكن استبعاد الخوف من الهزيمة ومخاوف خسارة السلطة من التحليل السياسي، أو التعامل مع القرار وكأنه منفصل عن موازين القوة القائمة.
هنا يمكن فهم المصالح المتداخلة من خلال ثلاثة مستويات: مصالح الحفاظ على التفرد و المواقع القائمة، ومصالح إعادة ترتيب موازين القوى، والمصلحة الوطنية العامة في تجديد الشرعية وإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات. وقد تتعارض هذه المستويات أو تتقاطع، لكن المعيار الديمقراطي يقتضي ألا تتحول المصالح الفصائلية إلى معيار لتحديد ما إذا كان المواطنون سيُمنحون حق الاختيار أم سيُحرمون منه.
فلا يجوز تعطيل الانتخابات خشية فوز حماس، أو صعود تيار الإصلاح بقيادة دحلان، أو تقدم مروان أو أي قائمة أو شخصية وطنية أخرى. وإذا كانت هناك مخاوف من النتائج والانقسام بعد الانتخابات فإن معالجتها تكون بضمانات قانونية وسياسية لاحترام إرادة الناخبين، وقواعد واضحة لتشكيل الحكومة، والتزام جميع الأطراف بالتداول السلمي للسلطة والمشاركة السياسية ، لا بمنع المواطنين من الاختيار.
والخطر الأكبر هو أن يتحول الحوار الوطني إلى أداة لإعادة هندسة النظام قبل الانتخابات، عبر شرعنة التعينات ، أو تغيير قواعد التمثيل، أو بناء تحالفات لتثبيت مراكز نفوذ، أو إعادة تشكيل المؤسسات بما يضمن استمرار قيادة بعينها أو يحد من قدرة الناخبين على تغييرها.
إن مازق النظام السياسي أعمق من الخلاف بين فتح وحماس، أو بين الرئاسة والتيارات المنافسة. فهي تتصل بتركيز القرار في يد الرئيس، وضعف المساءلة، وتعطل المؤسسات، وشخصنة السلطة، حل المجلس التشريعي، وغياب ضمانات استقلال القضاء، وغياب التداول المنتظم، وتحويل التوافقات الفصائلية إلى بديل عن المؤسسات الدستورية.
ولعل النقد ايضا يطال الشعب الفلسطيني الذي قبل بهذه الحالة وان كان المجتمع ليس مسؤولًا وحده عن نظام لا يوفر له قنوات ديمقراطية منتظمة للتأثير والمحاسبة والتغيير.
فالمشكلة ليست في الحاجة إلى شعب جديد، بل في الحاجة إلى نظام سياسي يثق بشعبه ويتيح له أن يختار ويختلف ويراقب ويحاسب ويغير.
ولذلك، لا يكفي تغيير الأشخاص إذا بقيت القواعد التي أنتجت الأزمة، بما يجعل المطلوب إعادة تأسيس النظام على الفصل بين السلطات، واستقلال القضاء والرقابة، وتداول السلطة، والمساواة أمام القانون، والشراكة في القرار، واحترام نتائج الانتخابات، ومنع احتكار التمثيل أو استخدام المؤسسات العامة لمصلحة فصيل أو فرد مهما كانت قدراته .
فالمعيار الديمقراطي ليس مَن يستفيد من الانتخابات، بل مَن يملك حق تقريرها؛ وليس مَن يخشى نتائجها، بل مَن يلتزم باحترام إرادة الناخبين.
رابعًا: غزة ولجنة الإدارة والحكومة الفلسطينية — من المرحلة المعلقة إلى البديل الوطني
تظهر خطورة التأجيل بصورة مباشرة في قطاع غزة، حيث تتداخل الأزمة الإنسانية والإدارية والأمنية مع ترتيبات انتقالية لم تستقر بعد. فقد أُنشئت اللجنة الوطنية لإدارة غزة بوصفها هيئة تكنوقراطية انتقالية تتولى تسيير الخدمات العامة والإدارة المدنية اليومية في القطاع، وفق تعريفها المؤسسي المعلن.
لكن لجنة إدارة غزة لم تدخل للقطاع ولم تزوال عملها ومن المهم التأكيد هنا بان اللجنة ليست الحكومة الفلسطينية، فالأولى هيئة ذات اختصاص جغرافي ووظيفي محدد، يفترض أن تركز على الإدارة المدنية والخدمات والتعافي وإعادة الإعمار في القطاع، ضمن تفويض واضح ومحدد المدة. أما الحكومة الفلسطينية فهي الإطار التنفيذي الوطني العام، المسؤول عن إدارة الوزارات والمؤسسات والسياسات العامة والموازنات والخدمات، وينبغي أن تكون ولايتها الوطنية قادرة على شمول غزة والضفة الغربية ضمن نظام مؤسسي موحد، وعلي الحكومة القائمة في الضفة ان لا تستمر في تبرير تهميش غزة تحت بند وجود لجنة إدارة لغزة او استمرار عمل اللجنة الإدارية التابعة لحركة حماس في مزوالة عملها.
كما لا يجوز افتراض أن اللجنة تتبع إداريًا للحكومة الفلسطينية أو أنها تحل محلها من دون سند قانوني ومؤسسي ينظم العلاقة بينهما، لحين دخول اللجنة الوطنية لغزة مطلوب اتفاق واضح يحدد صلاحيات اللجنة، وعلاقتها بالوزارات، وآليات التنسيق والمساءلة، وحدود مسؤوليتها الأمنية والمدنية، والمدة التي تعمل خلالها، والكيفية التي تنتقل بها اختصاصاتها إلى مؤسسات فلسطينية موحدة ما يتطلب فتح حوار مع مجلس السلام واللجنة لترتيب ذلك .
وتكمن المفارقة في أن ترتيبات إدارة غزة لم تتحول إلى انتقال مؤسسي مكتمل، بينما يُطرح عدم اكتمال البيئة الإدارية والأمنية مبررًا لتأجيل الانتخابات.
وهكذا قد يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام مرحلة انتقالية معلقة: لجنة لم تستقر ترتيبات عملها على الأرض، وحكومة لا تمارس وحدة مؤسسية كاملة في غزة والضفة، وانتخابات مؤجلة، ومؤسسات سياسية تستمر من دون تجديد انتخابي.
إن استمرار هذا الوضع لا يطيل الفراغ فحسب، بل يضعف ورقة البدائل الفلسطينية.
فإذا قررت إسرائيل تعطيل دخول اللجنة أو عرقلة تنفيذ الترتيبات الانتقالية، فما البديل الوطني الذي يمنع استمرار الفراغ؟ وإذا لم تبدأ اللجنة عملها، ولم تُجرَ الانتخابات، ولم تُوحّد المؤسسات، فمن يملك التفويض والقدرة على إدارة المرحلة ومساءلة المسؤولين عنها؟
كان يمكن للانتخابات أن توفر مدخلًا لإنتاج مجلس تشريعي جديد يتيح تشكيل حكومة كفاءات وطنية ذات برنامج واضح لإدارة التعافي وإعادة الإعمار، وتوحيد المؤسسات، واستعادة الخدمات، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والنظام السياسي.
وان لم تكن الانتخابات وحدها قادرة على حل أزمة غزة أو إنهاء الاحتلال، لكنها كانت تستطيع توفير شرعية سياسية متجددة لإدارة المرحلة، بدل إبقاء القطاع معلقًا بين ترتيبات انتقالية غير مكتملة، وأجهزة قائمة بحكم الأمر الواقع، وخلافات لم تُحسم وطنيًا.
لذا يصبح الضغط والعمل مع الوسطاء والمجتمع الدولي ضرورة وطنية من أجل دخول لجنة إدارة غزة وإنفاذ الترتيبات المتفق عليها بحيث يسير ذلك بالتوازي مع الضغط لإجراء الانتخابات واعادة بناء النظام السياسي، فالانتقال الإداري لا يغني عن الانتقال الديمقراطي، وإدارة الخدمات لا تعوض تجديد الشرعية، وكما لا يجوز أن تتحول اللجنة إلى سلطة موازية دائمة أو أن تصبح غزة خارج النظام السياسي الفلسطيني الموحد.
كما أن المخاوف لدي السلطة و المتعلقة بحياد الأجهزة الأمنية في غزة لا يجوز تجاهلها، لكنها لا تبرر تأجيلًا مفتوحًا، حيث تم سابقا ويمكن ان يتم اجراء ترتيبات أمنية مهنية ومحايدة، تمنع أي فصيل من استخدام أجهزة إنفاذ القانون للتأثير في الناخبين أو المرشحين في غزة والضفة ، وتضمن تكافؤ الفرص للجميع، بحيث تخضع العملية للقانون والرقابة المستقلة. ويجب تطبيق هذا المعيار على جميع الأطراف في غزة والضفة ، وألا تتحول معالجة الأمن إلى استبدال تبعية بأخرى.
فغزة ليست ملفًا إداريًا منفصلًا عن القضية الوطنية، وليست شرطًا يمكن تعليق الديمقراطية إلى حين اكتماله؛ إنها جزء رئيس من النظام السياسي الذي ينبغي توحيده وتجديد شرعيته وإيجاد الظروف والبدائل الضامنة لمشاركة غزة والضفة والقدس في كل الأوقات.
خامسًا: الحوار الوطني — من توافق النخب إلى الشراكة المجتمعية
لا خلاف على ضرورة الحوار الوطني في ظل التحديات ورغم الانقسام وتفكك المؤسسات وتعدد المرجعيات. لكن قيمة الحوار لا تُقاس بعدد الاجتماعات أو الفصائل التي تشارك فيه، بل بطبيعة المشاركين، وجدول الأعمال، والضمانات التي تحكم مخرجاته، ومدى التزامه بإعادة القرار إلى الشعب.
فالحوار الذي يُختزل في لقاءات بين القيادات الفصائلية، أو يترك قوى وشخصيات ومؤسسات مجتمعية فاعلة خارج عملية صنع القرار، يخاطر بإعادة إنتاج التجارب السابقة، حتى لو رفع شعارات الوحدة والشراكة والإصلاح.
فإعادة بناء النظام السياسي ليست شأنًا حصريًا للفصائل المحددة ؛ إنها مسألة تتعلق بالمواطنين والنساء والشباب والمستقلين والنقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الاجتماعية والاقتصادية، فضلًا عن الفلسطينيين في الشتات.
ولا ينبغي أن تتحول المشاركة المجتمعية إلى حضور رمزي بعد أن تكون التفاهمات الأساسية قد صيغت في غرف مغلقة. فالمطلوب أن يكون للمكونات المجتمعية والشخصيات الوطنية دور حقيقي في تحديد أولويات الإصلاح إعادة بناء النظام السياسي، ومراقبة تنفيذ الاتفاقات، وتقديم المقترحات، ومساءلة الأطراف التي تتراجع عن التزاماتها.
وهنا يجب ألا يصبح الحوار شرطًا مفتوحًا يسبق الانتخابات، ولا أن يُستخدم للتوافق على نتائجها قبل حدوثها. فالحوار الناجح هو الذي يتفق على قواعد المنافسة، وضمانات النزاهة، وبرنامج وطني مشترك، وآليات إدارة الخلاف، ثم يترك للمواطنين اختيار ممثليهم.
وقد حذرت تجربة 2021 من خطورة التأجيل الذي لا يتبعه موعد بديل ملزم. لذلك، لا يكفي الإعلان عن حوار شامل، بل ينبغي الاتفاق على سقف زمني محدد، وجدول أعمال معلن، وآلية لاتخاذ القرار، وآليات رقابة ومتابعة، وضمانات تمنع أي طرف من تعطيل التنفيذ. كما يجب أن تكون مخرجات الحوار مكتوبة ومعلنة، لا مجرد تفاهمات عامة قابلة للتأويل.
وينبغي أن يشمل الحوار إعادة تنظيم العلاقة بين الرئاسة والحكومة والمجلس التشريعي ومنظمة التحرير، وتوحيد المؤسسات في غزة والضفة، وضمان استقلال القضاء والرقابة، وتحديد قواعد تداول السلطة، وإعادة بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات، والاتفاق على قواعد الشراكة وبرنامج وطني واستراتيجية سياسية موحدة في مواجهة الاحتلال والاستيطان والضم وتهويد القدس، إضافة الي قيادة جماعية موحدة .
هنا لا بد من التمييز بين حوار يعيد بناء السياسة وحوار يعيد توزيع المواقع. فالأول يضع قواعد عامة تلتزم بها جميع الأطراف، والثاني قد يحول الحوار إلى وسيلة لتثبيت التفرد و لتقاسم النفوذ من دون معالجة أسباب الأزمة. والاختبار الحقيقي ليس ما إذا كانت القيادات قد توصلت إلى تفاهم، بل ما إذا كان هذا التفاهم يوسع مشاركة الشعب وقواه ويقيد سلطة الأطراف على تعطيل الاستحقاق.
فالحوار قد يكون طريقًا إلى الانتخابات، لكنه يصبح جزءًا من الأزمة عندما يتحول إلى بديل عنها، فما يحتاجه الفلسطينيون ليس توافقًا جديدًا لإدارة التأجيل، بل عقدًا وطنيًا واجتماعيا ملزمًا يحدد كيفية استعادة الشرعية واحترام الشعب والقانون .
سادسًا: المجلس الوطني ومنظمة التحرير — تجديد التمثيل لا شرعنة التعيين
لا تقتصر مخاطر إعادة هندسة النظام السياسي على تأجيل انتخابات المجلس التشريعي، بل تمتد إلى مستقبل منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني، بوصفهما الإطار التمثيلي الوطني للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
وقد صودق في يونيو/حزيران 2026 على نظام انتخابي للمجلس الوطني ينص، من حيث الأصل، على انتخاب أعضائه بالاقتراع المباشر والسري وفق التمثيل النسبي الكامل، ويحدد عدد الأعضاء بـ350، منهم 200 لتمثيل الأراضي الفلسطينية و150 للفلسطينيين في الخارج والشتات. كما يتيح النظام اللجوء إلى المجمعات الانتخابية أو التوافق، وفي حالات معينة التوافق والتعيين، عندما يتعذر إجراء الانتخابات في بعض مناطق الشتات.
وتكمن الإشكالية في كيفية تطبيق هذه الاستثناءات وحدودها، لا في إنكار صعوبة إجراء الانتخابات في بعض التجمعات. فحين يتعذر الاقتراع المباشر، قد تكون هناك حاج