بقلم : سماح أبو غياض
زوجات الشهداء والمعتقلين والمفقودين والمصابين… نساء لم يخترن أن يكنّ المعيلات ، لكن الحرب أجبرتهن على حمل الأسرة وحدهن
لم تعد آثار الحرب في غزة تُقاس فقط بعدد الشهداء والجرحى والبيوت المدمرة فهناك حرب أخرى تجري داخل البيوت وتحديدًا داخل حياة النساء اللواتي وجدن أنفسهن فجأة أمام مسؤولية لم يخترنها: إعالة الأسرة وحمايتها وإدارة شؤونها في غياب الزوج أو الأب .
بعد سنوات من الحصار والانقسام والحروب المتكررة جاءت حرب 2023 لتعيد تشكيل المجتمع والأسرة الفلسطينية بصورة عميقة وبحسب أحدث موجز لهيئة الأمم المتحدة للمرأة أصبحت النساء يترأسن نحو أسرة واحدة من كل أربع أسر في غزة بما يقدّر بنحو 86,290 أسرة وهو ما يقارب ضعف النسبة التي كانت قائمة قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 . حين كانت النسبة نحو أسرة واحدة من كل تسع أسر . وتشمل هذه الأسر الأرامل ، والنساء اللواتي فُقد أزواجهن، أو تعرضوا للاعتقال ، أو أصيبوا بإصابات بالغة ، أو اختفوا و ما زال مصيرهم مجهولًا.
هذه ليست مجرد أسر ترأسها نساء . هذه أسر أعيد تشكيلها بالقوة تحت وطأة الحرب.
عندما تفقد المرأة زوجها في ظروف غزة يعني فقدان أكثر من شريك حياة.
يعني فقدان المعيل وفقدان الدخل وفقدان السند وفقدان جزء من الحماية الاجتماعية.
وفوق ذلك كله لم تجد المرأة وقتا كافيا للحزن علي ما فقدته , فعليها ان تبحث عن الطعام وتوفر الماء وعليها أن تفكر في الغد بينما هي نفسها لا تعرف كيف ستعيش اليوم.
أما زوجات المعتقلين والمفقودين فمعاناتهن تأخذ شكلًا آخر ليست فقط معاناة الفقد أنها حياة معلقة بين الانتظار وعدم اليقين , المرأة التي لا تعرف مصير زوجها تعيش في منطقة رمادية قاسية لا تستطيع أن تعتبر نفسها أرملة ولا أن تعيش كزوجة تنتظر عودة زوجها وفي الوقت نفسه مسؤوليات الأسرة لا تنتظر الأطفال لا ينتظرون الجوع لا ينتظر المرض لا ينتظر الإيجار لا ينتظر والحياة لا تتوقف حتى لو توقفت حياة المرأة من الداخل.
لذلك يجب ألا يُنظر إلى زوجات المعتقلين والمفقودين باعتبارهن حالات اجتماعية عابرة هن فئة تحتاج إلى حماية اجتماعية واقتصادية وقانونية خاصة .
الأرقام تقول إن المرأة تدفع الثمن الأكبر
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن الأسر التي ترأسها النساء تواجه ظروفا أكثر قسوة اذا افادت قرابة 7 من كل 10 أسر 68% بأن احتياجاتها السكنية غير ملباة ، مقارنةً بـ 55% من الأسر التي يرأسها الرجال.
كما أن منازل الأسر التي ترأسها النساء أكثر عرضة لأن تكون قد تعرضت للضرر أو الدمار بنسبة 74% مقارنةً بـ 67% من الأسر التي يرأسها الرجال. كذلك من المرجح أن تتعرض هذه الأسر لعمليات نزوح أكثر تكراراً إذ أُجبرت الأسر التي ترأسها النساء على النزوح بمعدل ثماني مرات منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مقارنةً بسبع مرات للأسر التي يرأسها الرجال.
وتُعد الضغوط المالية على الأسر التي ترأسها النساء هائلة. إذ تحتاج نحو ثلثي هذه الأسر (67%) بشكل عاجل إلى مساعدات نقدية لتلبية احتياجاتها اليومية والبقاء على قيد الحياة.
كما تواجه النساء اللواتي يترأسن الأسر مخاوف أكبر تتعلق بالسلامة والحماية. فقد أعربت قرابة أسرة واحدة من كل خمس أسر 19% ترأسها النساء عن مخاوف تتعلق بسلامتها وحمايتها ، مقارنةً بـ %8نحو أسرة واحدة من كل 12 أسرةمن النساء اللاتي يعشن في أسر يرأسها الرجال.
هذه النسب ليست مجرد أرقام في تقرير.
كل نسبة تعني أمًا وكل رقم يعني أطفالً وكل أسرة تعني قصة إنسانية كاملة.
لا تقولوا للمرأة: أنتِ قوية… ثم تتركوها وحدها من السهل أن نصف المرأة الفلسطينية بالصمود.
ومن السهل أن نقول إن المرأة الغزية أثبتت قدرتها على تحمل أصعب الظروف.
لكن علينا أن ننتبه إلى شيء مهم: تمجيد صمود المرأة لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لتركها وحدها.
لا يجوز أن نقول لها: أنتِ قوية ثم نحرمها من الدعم.
لا يجوز أن نقول لها: أنتِ صامدة، ثم نتركها تبحث عن الطعام والماء والمأوى.
لا يجوز أن نطالبها بأن تكون المعيلة والحامية والمربية بينما لا نوفر لها أدوات القيام بهذه المسؤوليات.
المرأة لا تحتاج إلى مزيد من المديح بقدر ما تحتاج إلى حقوق وحماية وموارد وفرص وقرار.
بعد الإبادة… يجب أن تكون المرأة في قلب إعادة الإعمار
إذا كانت غزة ستدخل مرحلة إعادة إعمار فيجب ألا تكون المرأة مجرد مستفيدة من مشاريع الإعمار.
يجب أن تكون شريكة في التخطيط واتخاذ القرار.
فإعادة بناء بيت الأرملة لا تعني فقط بناء جدران.
إعادة بناء حياتها تحتاج إلى دخل.
وإعادة بناء الأسرة تحتاج إلى خدمات نفسية واجتماعية.
وإعادة بناء مستقبل الأطفال تحتاج إلى التعليم.
وإعادة بناء كرامة المرأة يحتاج إلى العمل والحماية والعدالة.
ولقد أكدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن التعافي وإعادة الإعمار في غزة يحتاجان إلى استجابة تراعي احتياجات النساء والفتيات وإلى إشراك النساء في السلام والتعافي وإعادة الإعمار بما في ذلك الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف والتعويض.
مطالب لا تحتمل التأجيل
إن الحديث عن معاناة النساء يجب أن يتحول من التعاطف إلى سياسات توضع وقرارات تنفذ ومن هنا هناك مجموعة من المطالب التي يجب أن تكون جزءًا من أي خطة وطنية أو دولية للتعافي وإعادة الإعمار:
أولًا: إنشاء سجل وطني للأسر التي ترأسها النساء.
يشمل الأرامل وزوجات المعتقلين والمفقودين وزوجات المصابين بإصابات تمنعهم من العمل والنساء اللواتي فقدن مصادر دخلهن بسبب الحرب.
ثانيًا: إنشاء نظام حماية اجتماعية طارئ ومستدام.
يضمن دخلًا شهريًا أو دعمًا نقديًا منتظمًا للأسر الأكثر هشاشة وبخاصة الأسر التي فقدت معيلها.
ثالثًا: إعطاء أولوية لأسر الشهيدات والشهداء.
يجب ألا تتحول وفاة المعيل إلى بداية أزمة اقتصادية جديدة للأسرة ويجب أن تضمن السياسات حماية حقوق الأرامل والأطفال وعدم تركهم رهائن للتعقيدات الإدارية أو السياسية.
رابعًا: حماية زوجات المعتقلين والمفقودين.
وذلك من خلال دعم مالي واجتماعي وقانوني وآليات واضحة للمعلومات والتوثيق والمتابعة مع احترام حقوق الأسر وكرامتها.
خامسًا: توفير السكن الآمن للنساء المعيلات.
فالأسرة التي ترأسها امرأة تحتاج إلى حماية خاصة في برامج إعادة الإسكان وإعادة تأهيل المنازل.
سادسًا: توفير فرص عمل وتمكين اقتصادي حقيقي.
ليس فقط من خلال المساعدات وإنما عبر برامج مهنية ومشاريع صغيرة ومنح إنتاجية وفرص عمل تراعي واقع النساء ومسؤولياتهن الأسرية.
سابعًا: توفير خدمات الصحة النفسية والدعم الاجتماعي.
فالمرأة التي فقدت زوجها أو أحد أبنائها أو منزلها لا تحتاج إلى الغذاء والمأوى فقط تحتاج أيضًا إلى مساحة آمنة للتعامل مع آثار الصدمة والفقد.
ثامنًا: حماية النساء من العنف والاستغلال.
كلما زادت هشاشة الأسرة اقتصاديًا واجتماعيًا زادت مخاطر تعرض النساء والفتيات للعنف والاستغلال. لذلك يجب أن تكون خدمات الحماية جزءًا أساسيًا من الاستجابة الإنسانية والتعافي.
تاسعًا: إشراك النساء في القرار.
لا يمكن أن تُصمم برامج للنساء من دون مشاركة النساء يجب أن تكون النساء المعيلات والمنظمات النسوية والمؤسسات المجتمعية جزءًا من لجان التخطيط وإعادة الإعمار وصناعة السياسات.
عاشرًا: ربط إعادة الإعمار بالعدالة الاجتماعية.
إعادة بناء الحجر مهمة لكن إعادة بناء حياة الإنسان أهم ويجب أن يكون للنساء اللواتي تحملن عبء الحرب موقع واضح في سياسات التعافي وإعادة الإعمار.
إن مرحلة ما بعد الحرب ليست أقل أهمية من مرحلة الحرب نفسها.
وإذا لم نضع النساء في مركز التعافي فإن آثار الحرب ستستمر في إعادة إنتاج الفقر والتهميش وعدم المساواة لسنوات طويلة.غزة لا يمكن أن تتعافى بنصف مجتمع النساء اليوم يحملن جزءًا هائلًا من عبء البقاء.
لذلك، فإن إنقاذ غزة لا يمكن أن يكون مشروعًا لإعادة بناء المباني فقط هو أيضًا إنقاذ المرأة التي تحمل أسرتها على كتفيها. لا نريد من المرأة أن تكون بطلة تحمل وصبر فقط نريدها أن تكون صاحبة حق ان نمنحها الأمان أن نوفر لها الفرصة والموارد أن تكون هي جزءًا من القرار.
فخلف كل أسرة تقودها امرأة في غزة اليوم هناك قصة …..وخلف كل امرأة تقف أسرة كاملة تنتظر منها أن تبقيها على قيد الحياة.
فلا تتركوها وحدها.