في تحذير يحمل أبعادًا استراتيجية عميقة، أعلنت منظمة التجارة العالمية أن النظام التجاري العالمي دخل مرحلة جديدة مختلفة كليًا عما كان عليه لعقود، مؤكدة أن العودة إلى النموذج السابق لم تعد ممكنة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم.
وجاء هذا الموقف على لسان المديرة العامة للمنظمة نغوزي أوكونجو إيويالا خلال كلمتها في افتتاح المؤتمر الوزاري، حيث شددت على أن النظام متعدد الأطراف الذي شكّل أساس التجارة الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، قد تغيّر بشكل جذري ولا رجعة فيه، داعية الدول إلى التوقف عن محاولة استعادة الماضي، والتوجه نحو صياغة مستقبل جديد للتجارة العالمية يتلاءم مع الواقع الحالي.
التصريحات تعكس حجم الضغوط التي يتعرض لها النظام التجاري، إذ أكدت أوكونجو إيويالا أن العالم يشهد حاليًا أسوأ اضطرابات في التجارة الدولية منذ نحو ثمانية عقود، وهو توصيف يعكس عمق التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد والتدفقات التجارية، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية.
ورغم هذا المشهد المضطرب، لا تزال نسبة كبيرة من التجارة العالمية، تصل إلى نحو 72%، تتم وفق قواعد منظمة التجارة العالمية، ما يشير إلى أن النظام القائم لم ينهَر بالكامل، لكنه يواجه اختبارات صعبة تهدد استمراريته.
وفي الوقت ذاته، برزت بعض المؤشرات الإيجابية المحدودة، خصوصًا في مجالات التجارة المرتبطة بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، التي باتت تمثل نقطة ضوء وسط حالة التباطؤ العام.
وتتداخل عدة عوامل في تعميق الأزمة الحالية، في مقدمتها التوترات الجيوسياسية، وعلى رأسها الصراع في الشرق الأوسط، الذي ألقى بظلاله على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، إلى جانب السياسات التجارية المتشددة، مثل الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة، والتي ساهمت في زيادة الضغوط على حركة التجارة الدولية ورفعت من مستوى عدم اليقين لدى المستثمرين.
وفي موازاة هذه التحديات الخارجية، تواجه منظمة التجارة العالمية أزمات داخلية لا تقل خطورة، حيث يعاني نظام تسوية النزاعات من شلل شبه كامل، ما يضعف قدرة المنظمة على فرض القواعد وحل الخلافات بين الدول الأعضاء.
كما تعاني المنظمة من ضعف واضح في مستوى الشفافية، إذ لم تقدم سوى 64 دولة فقط بيانات الدعم الحكومي لعام 2025، في حين امتنعت 102 دولة عن القيام بذلك، وهو ما يثير مخاوف بشأن وجود ممارسات غير عادلة قد تؤثر على المنافسة في الأسواق العالمية.
وترى المديرة العامة أن هذا الغياب في الشفافية يؤدي إلى تآكل الثقة بين الدول، وهو ما يخلق حلقة مفرغة تتغذى على نفسها، حيث يؤدي انعدام الثقة إلى تعطيل الإصلاحات، ويؤدي غياب الإصلاح بدوره إلى تعميق الشكوك والانقسامات داخل النظام التجاري.
ويشير هذا الواقع إلى أن العالم يقف أمام مرحلة انتقالية معقدة، حيث يتراجع نموذج العولمة التقليدي تدريجيًا، مقابل صعود أنماط جديدة من التعاون التجاري تقوم على التحالفات الإقليمية والمصالح المشتركة الضيقة، بدل النظام العالمي الموحد الذي ساد لعقود.
في المحصلة، تعكس تحذيرات منظمة التجارة العالمية إدراكًا متزايدًا بأن النظام التجاري الدولي يمر بمرحلة إعادة تشكّل عميقة، وأن المستقبل لن يكون امتدادًا للماضي، بل سيتطلب إعادة بناء قواعد اللعبة الاقتصادية على أسس جديدة أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع عالم سريع التغير.
ويبقى التحدي الأكبر أمام الدول هو كيفية إدارة هذا التحول دون الانزلاق نحو فوضى تجارية قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي العالمي بأكمله.