يرتبط جبل عرفات في مكة المكرمة بمشهد ديني يتكرر كل عام خلال موسم الحج، عندما يقف عليه آلاف الحجاج في يوم عرفة، في لحظة إيمانية عظيمة. لكن خلف هذا المشهد الروحاني، يحمل الجبل تاريخًا جيولوجيًا عميقًا يعود إلى ملايين السنين.
تشير دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية متخصصة في الكيمياء النووية والتحليل الإشعاعي، إلى أن جبل عرفات ليس مجرد تكوين طبيعي حديث، بل هو جزء من تاريخ تكتوني قديم تشكل خلال مرحلة مهمة من تطور المنطقة، مرتبطة بانفتاح البحر الأحمر وانفصال شبه الجزيرة العربية عن قارة أفريقيا.
اعتمد الباحثون على تحليل عينات من صخور الجبل، وتبين أنها تنتمي إلى صخور نارية عميقة تُعرف باسم “الجرانوديوريت”، وهي تتكون عندما تبرد الصهارة ببطء داخل أعماق الأرض، ما ينتج عنه صخور صلبة تحتوي على بلورات معدنية مثل الكوارتز والفلسبار والميكا.
ولفهم عمر الجبل بدقة، استخدم العلماء تقنية متقدمة تُعرف باسم “التأريخ بالمسارات الانشطارية”.
وتعتمد هذه الطريقة على تتبع آثار دقيقة جدًا تتركها ذرات اليورانيوم داخل المعادن عندما تتحلل بشكل طبيعي عبر الزمن، حيث تترك هذه التحللات مسارات مجهرية داخل البلورات يمكن فحصها بالمجهر.
ومن خلال تحليل هذه المسارات وعدّها، إلى جانب قياس نسبة اليورانيوم، تمكن العلماء من تحديد العمر الجيولوجي للصخور، والذي أظهر أن تكوّن جبل عرفات يعود إلى العصر الميوسيني المتأخر، أي قبل نحو 9 ملايين سنة تقريبًا.
وتوضح الدراسة أن هذا العمر يعكس المرحلة التي بردت فيها الصخور واستقرت جيولوجيًا، وليس لحظة تشكل الصهارة الأصلية في أعماق الأرض.
كما تشير النتائج إلى أن الجبل تشكل ضمن سياق جيولوجي واسع شهد تحركات تكتونية كبيرة، ساهمت في إعادة تشكيل المنطقة وفتح البحر الأحمر، وهو ما يجعل جبل عرفات جزءًا من سجل جيولوجي مهم يوثق تاريخ الأرض في هذه المنطقة.
وفي جانب آخر من الدراسة، فحص الباحثون مستويات العناصر المشعة الطبيعية داخل الصخور مثل اليورانيوم والثوريوم والبوتاسيوم. ورغم وجود هذه العناصر، أكدت التحاليل أن مستويات الإشعاع طبيعية ومنخفضة، ولا تشكل أي خطر صحي على الحجاج أو الزوار، وهي ضمن الحدود الآمنة عالميًا.
ويؤكد خبراء جيولوجيا أن وجود نسب بسيطة من الإشعاع في الصخور النارية أمر شائع وطبيعي جدًا في معظم مناطق العالم، خاصة تلك التي تتكون من صخور عميقة المصدر، مثل صخور الدرع العربي.
وبذلك، تجمع الدراسة بين جانبين: الأول تاريخي جيولوجي يكشف عن عمر عميق للجبل يعود لملايين السنين، والثاني صحي يؤكد أن البيئة الطبيعية للجبل آمنة تمامًا، رغم مكوناتها المعدنية.