في تل أبيب، كانت الشوارع تغلي يوميًا بآلاف المتظاهرين أمام مقر نتنياهو؛ صرخوا حتى بُحّت حناجرهم لوقف الحرب وإعادة الأسرى، ولم يجرؤ عاقل هناك على اتهامهم بأنهم “طابور خامس” يخدم حماس، أو خونة يُهدون النصر لخصومهم. أدركوا ببساطة أن الدولة التي تُخرس صوت مواطنيها في زمن الحرب، تُهزم من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان.
أما في مشهدنا الفلسطيني المكلوم، فما زالت المقصلة المعنوية جاهزة؛ كلما همّ مواطنٌ بالصراخ وجعًا من واقع كارثي دفعته إليه خيارات حماس وحسابات الفصائل العبثية، أُشهِر في وجهه سيف التخوين الجاهز: “صمتك واجب، واعتراضك يخدم الاحتلال!”
تاريخيًا.
لم تسقط أمة تحت الاحتلال لأن شعبها حاسب قيادته، بل سقطت حين جُعلت القداسة للأشخاص والأحزاب على حساب دماء الناس ومستقبلهم. ومن لا يتعلم من دروس النكبات، محكومٌ عليه بأن يعيد إنتاجها بأثمانٍ أفظع.
الاعتراض ليس خيانة، والتظاهر ليس عمالة. لقد آن لعصر الصكوك الوطنية أن ينتهي، وأن يُدرك الجميع أن صوت الضحية وحقها في المساءلة هو أصل الوطنية، لا تهمة يُعاقب عليها باسم القضية.