في الأول من سبتمبر/أيلول الجاري، نفذت قوة إسرائيلية خاصة عملية أمنية داخل منطقة خاضعة لسيطرة حركة حماس غربي مدينة غزة، أسفرت عن اختطاف المسؤول الأمني البارز في الحركة وأجهزتها الأمنية، معين العرابيد، في عملية أثارت حالة من الصدمة داخل أوساط الحركة والفصائل الفلسطينية.
وتحولت المنطقة التي شهدت العملية، التي نُفذت خلال ساعات الصباح، إلى ساحة اشتباك عسكرية، حيث استخدمت القوات الإسرائيلية طائرات حربية ومروحيات ومسيرات لتوفير غطاء جوي للقوة الخاصة التابعة لجهاز الأمن العام الإسرائيلي “الشاباك”، وتأمين تنفيذ المهمة وانسحاب أفرادها.
تحركات سبقت العملية بأيام
وبحسب مصادر مطلعة على التحقيقات الجارية، نقلت عنها صحيفة “الشرق الأوسط”، فقد سبقت العملية تحركات استخباراتية وعسكرية إسرائيلية مكثفة استمرت لأكثر من أسبوع.
ورغم وضوح تلك التحركات، ساد اعتقاد لدى الجهات الفلسطينية المعنية بأن إسرائيل تستعد لتنفيذ عمليات اغتيال جوية ضد قيادات أو عناصر من الفصائل، أو أنها تجري تحركات عسكرية بهدف إظهار قدرتها على فرض السيطرة داخل القطاع.
وخلال نحو عشرة أيام، شهدت المنطقة المحيطة بما يعرف بالطريق الجديد قرب مفترق نتساريم تحركات عسكرية إسرائيلية متكررة، حيث كانت الآليات تتوغل بصورة شبه يومية، بالتزامن مع إطلاق النار وإغلاق شارع صلاح الدين، وفرض سيطرة نارية على المنطقة ومحيطها لمنع حركة الفلسطينيين.
وتشير التحقيقات، وفق المصادر، إلى أن القوة الخاصة التي نفذت عملية اختطاف العرابيد كانت تستغل تلك التحركات العسكرية للتسلل إلى قطاع غزة والخروج منه عبر المنطقة نفسها، تحت حماية كبيرة من الآليات الإسرائيلية.
وبحسب الرواية، كررت القوة عمليات الدخول والخروج عدة مرات بهدف استطلاع المنطقة التي كان مقرراً تنفيذ العملية فيها غربي مدينة غزة، والتي تبعد نحو أربعة كيلومترات عن محور نتساريم.
كما استفادت القوة من تقدم الآليات الإسرائيلية كغطاء للتسلل عبر الطريق الجديد، وصولاً إلى مناطق غرب المدينة من خلال طريق الرشيد الساحلي أو شوارع فرعية تقود إلى شارع 10، ومنه إلى داخل مدينة غزة.
مراقبة جوية مكثفة
لم تقتصر التحضيرات الإسرائيلية على التحركات البرية، إذ شهدت المنطقة تكثيفاً في نشاط الطائرات المسيرة، التي حلقت بأعداد كبيرة فوق مناطق واسعة، وبمعدل لا يقل عن ثماني طائرات يومياً على مدار أكثر من أسبوع، خصوصاً في منطقة الكتيبة ومحيط الطريق الساحلي.
ورصدت الجهات الفلسطينية المعنية هذه التحركات الجوية بشكل مستمر، وجرى رفع تقارير عاجلة بشأن كثافة الطائرات المسيرة.
لكن التقديرات السائدة آنذاك رجحت أن تكون تلك التحركات تمهيداً لتنفيذ غارة جوية أو عملية اغتيال عن بعد، كما جرت العادة، خصوصاً أنه لم تُرصد في الميدان مؤشرات واضحة على وجود قوة إسرائيلية خاصة أو تحركات مسلحة غير اعتيادية.
مركبة مدنية وتسلل داخل المدينة
وأظهرت عمليات مراجعة كاميرات المراقبة المثبتة في الشوارع والمنازل والمحلات التجارية، وفق المصادر، تفاصيل جديدة بشأن تحركات القوة الإسرائيلية الخاصة.
وتبين أن القوة استخدمت حافلة صغيرة “باص” خلال عمليات التسلل، وأن تتبع مسار المركبة أظهر وجود أفراد القوة في موقع حيوي داخل مدينة غزة في اليوم السابق للعملية.
وبحسب المعطيات التي توصلت إليها التحقيقات، بقي أفراد القوة داخل المدينة طوال الليل، قبل أن يتحركوا صباحاً لتنفيذ المهمة.
كما تشير المعلومات إلى وجود عناصر أخرى في محيط المنزل الذي كان يتواجد فيه العرابيد، وقد ظهر بعضهم في صورة باعة خضار وغيرهم، بينما كان المسؤول الأمني يستعد لعقد قران نجله.
أكثر من 30 عنصراً وغطاء ناري للانسحاب
وتفيد التحقيقات بأن القوة الإسرائيلية استخدمت عدة مركبات خلال عملية التسلل والتنفيذ والانسحاب، وأن الأشخاص الذين كانوا داخل الحافلة الصغيرة تولوا اختطاف العرابيد.
كما تبين، وفق المصادر، أن أفراد القوة تحركوا في المنطقة بالتزامن مع عناصر أخرى، ليصل عدد المشاركين في العملية إلى أكثر من 30 شخصاً.
وعقب تنفيذ الاختطاف، انسحب أفراد القوة باستخدام مركبات ودراجات نارية، بالتزامن مع توفير غطاء ناري كثيف من الطائرات الإسرائيلية.
وخلال الانسحاب، قصفت الطائرات إحدى المركبات التابعة للقوة، والتي كانت تحمل لوحة تسجيل فلسطينية، فيما تقدمت آليات عسكرية إسرائيلية وأغلقت شارع صلاح الدين باتجاه الطريق الجديد قرب محور نتساريم، بهدف تأمين خروج القوة ونقل أفرادها إلى داخل المواقع الإسرائيلية.
مشروع إغاثي وهمي مهّد للعملية
وكانت مصادر قد كشفت للصحيفة، قبل أيام، أن التحضير للعملية بدأ قبل نحو شهرين، من خلال انتحال ضباط من جهاز “الشاباك” صفة مؤسسة إغاثية دولية تعتزم تنفيذ مشروع لمساعدة الفلسطينيين عبر إقامة مشروعات صغيرة في المنطقة، من بينها بسطات لبيع الخضار والمشروبات.
ووفق المصادر، استعان الجهاز بعناصر فلسطينية، من بينهم نساء، للمشاركة في المشروع، حيث كان يجري تزويدهم بالخضار بشكل يومي باعتبارها مساعدات مقدمة من المؤسسة، على أن تذهب عائدات البيع إلى المستفيدين.
لكن القائمين على المشروع تلقوا لاحقاً طلبات برصد منازل وتحركات أشخاص محددين في المنطقة، كان من بينهم معين العرابيد.
وأوضحت المصادر أن المشاركين في المشروع اكتشفوا بعد العملية أن بعض القائمين عليه كانوا يعملون لصالح جهاز “الشاباك”، مشيرة إلى أن أشخاصاً جدد ظهروا في المكان يوم تنفيذ العملية، فيما كان آخرون موجودين منذ اليوم السابق ويعملون في بيع الخضار.
وبحسب الرواية، أخفى هؤلاء أسلحة داخل البسطات، قبل أن يشاركوا في تنفيذ العملية عند بدء الهجوم، ثم انسحبوا من المنطقة واختفوا بعد انتهاء المهمة.
وعقب العملية، تمكنت الأجهزة الأمنية التابعة لحماس من توقيف عدد من الأشخاص الذين يُشتبه في تعاونهم مع القوة الإسرائيلية، إلى جانب مستفيدين من مشروع المؤسسة الإغاثية الوهمية، وبدأت التحقيق معهم.
استخدام صفة المؤسسات الدولية في عمليات سابقة
ولا تعد هذه المرة الأولى التي تتهم فيها إسرائيل باستخدام غطاء مؤسسات دولية لتنفيذ عمليات أمنية داخل قطاع غزة.
ففي مارس/آذار 2024، تسللت قوة إسرائيلية خاصة إلى مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، قبل وصول تعزيزات عسكرية إلى الموقع، واستمرت العملية لاحقاً نحو أسبوعين، وأسفرت، وفق الرواية الواردة في التقرير، عن مقتل وأسر عدد من عناصر حماس وأجهزتها المختلفة، بينهم قيادات في كتائب القسام.