في كل صباح جديد يشرق على غزة، لا يستيقظ الناس على أصوات الحياة الطبيعية كما يحدث في بقية أنحاء العالم. لا تستيقظ الأم لتجهز أبناءها للمدرسة، ولا يخرج الأب إلى عمله مطمئناً على مستقبل أسرته، ولا يخطط الشاب لسنواته القادمة أو لمشروعه أو لدراسته الجامعية. يستيقظ الناس على سؤال واحد فقط: كيف سننجو اليوم؟
في غزة، لم تعد المأساة خبراً عاجلاً، بل أصبحت نمط حياة. لم يعد الدمار مشهداً استثنائياً، بل تحول إلى جزء من تفاصيل اليوم العادي. آلاف العائلات تعيش في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء. أطفال ولدوا في الخيام وكبروا في الخيام، وربما لا يعرفون معنى أن يكون للإنسان غرفة خاصة أو سرير أو مكتب يدرس عليه أو نافذة يطل منها على شارع طبيعي.
تسير بين الخيام فتشعر أنك لا تمشي في مدينة، بل في ذاكرة مكسورة. وجوه متعبة، أمهات يحملن أثقال العالم فوق أكتافهن، رجال فقدوا أعمالهم وبيوتهم وشعورهم بالأمان، وأطفال يبحثون بين الركام عن أي شيء يشبه الطفولة.
في غزة اليوم، لا توجد أزمة واحدة يمكن الحديث عنها، بل سلسلة لا تنتهي من الأزمات المتراكمة. المدارس مدمرة أو مغلقة أو تحولت إلى مراكز إيواء. الجامعات التي كانت منارة للعلم والمعرفة تحولت إلى أبنية مهدمة أو ساحات للنازحين. جيل كامل أصبح مهدداً بالحرمان من التعليم، ليس لشهر أو شهرين، بل لسنوات قد تترك آثارها لعقود قادمة.
كيف يمكن لطفل أن يتعلم وهو ينام في خيمة مكتظة بعشرات الأشخاص؟ كيف يمكن لطالب جامعي أن يدرس وسط الجوع والخوف والنزوح المستمر؟ كيف يمكن لأمة أن تبني مستقبلها بينما يتم تدمير عقول أبنائها قبل تدمير منازلهم؟
لقد أصبحت الحياة في غزة معركة يومية من أجل البقاء. الحصول على الماء معركة. الحصول على الطعام معركة. الحصول على الدواء معركة. العثور على مكان آمن للنوم معركة. وحتى الاحتفاظ بالكرامة الإنسانية أصبح معركة.
ومع ذلك، فإن المأساة لا تكمن فقط في حجم الدمار، بل في غياب الأفق. فالحروب مهما كانت قاسية تنتهي عادة بخطة سياسية أو مشروع إعادة إعمار أو رؤية للمستقبل. أما في غزة، فيبدو وكأن الناس عالقون داخل دائرة مغلقة لا نهاية لها. دمار يتبعه دمار، ونزوح يتبعه نزوح، وخيام تتسع كل يوم، بينما يضيق الأمل أكثر فأكثر.
لقد سمع أهل غزة الكثير من الشعارات خلال العقود الماضية. سمعوا وعود النصر والتحرير والصمود والمقاومة والانتصار التاريخي. لكن المواطن البسيط الذي يجلس اليوم أمام خيمته الممزقة لا يسأل عن الشعارات. هو يسأل عن منزله. عن مدرسة أطفاله. عن مستشفى يعالج مرضاه. عن عمل يحفظ كرامته. عن مستقبل يمكن أن يراه بعينيه لا أن يسمع عنه في الخطب والبيانات.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الشعوب ليس الفقر ولا الحرب فقط، بل الاعتياد على المأساة. حين تصبح الخيمة بديلاً دائماً عن البيت، وحين يصبح النزوح أسلوب حياة، وحين يتحول انتظار المساعدات إلى قدر محتوم، تكون الكارثة قد تجاوزت حدود الدمار المادي لتصل إلى تدمير روح المجتمع نفسه.
من حق أهل غزة أن يسألوا: إلى أين نحن ذاهبون؟ ومن حقهم أن يسألوا كل الأطراف، دون استثناء، عن مسؤوليتها تجاه ما جرى ويجري. فمن غير المقبول أن يبقى ملايين البشر رهائن للقرارات السياسية والحسابات الفصائلية والمشاريع الإقليمية المتصارعة.
لقد دفع الناس أثماناً لا يمكن تصورها. عشرات الآلاف من القتلى والجرحى. مئات آلاف النازحين. مدن وأحياء اختفت من الخريطة. عائلات أُبيدت بالكامل. أطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم. أمهات دفنّ أبناءهن بأيديهن. ومع ذلك ما زال المواطن العادي هو الطرف الوحيد الذي لا يُسأل عن رأيه ولا يُستمع إلى صوته.
إن الشعوب ليست مجرد أرقام في نشرات الأخبار. وليست وقوداً دائماً للصراعات. وليست أدوات تُستخدم لتحقيق مشاريع سياسية مهما كانت عناوينها. الشعوب هي صاحبة الحق الأول والأخير في تقرير مصيرها ومستقبلها.
ولهذا فإن اللحظة الحالية تفرض على المجتمع الغزي وقفة شجاعة مع الذات. وقفة لا تقوم على التخوين ولا على الانتقام، بل على الصراحة. صراحة تسأل: ماذا حققنا؟ وماذا خسرنا؟ وما الطريق الذي يجب أن نسلكه من الآن فصاعداً؟
لقد آن الأوان لأن يقول الناس كلمتهم. أن يطالبوا بحياة طبيعية. أن يطالبوا بالتعليم بدل الجهل. وبالعمل بدل البطالة. وبالمستقبل بدل الانتظار. وبالكرامة بدل الاعتماد الدائم على المساعدات. أن يطالبوا بقيادة تضع الإنسان أولاً، وتتعامل مع حياة الناس باعتبارها قيمة مقدسة لا وسيلة لتحقيق الأهداف السياسية.
إن الدفاع عن حق الفلسطينيين لا يعني الصمت عن الأخطاء الفلسطينية. وحب غزة لا يعني السكوت على السياسات التي أوصلتها إلى هذا الواقع المأساوي. بل إن حب غزة الحقيقي يبدأ من الشجاعة في مواجهة الحقيقة، مهما كانت مؤلمة.
التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي ترفع صوتها تستطيع أن تفتح أبواب المستقبل، أما الشعوب التي تبقى أسيرة الخوف أو التبرير أو الانتظار فإنها تدفع الثمن جيلاً بعد جيل.
غزة لا تحتاج اليوم إلى مزيد من الخطب. لا تحتاج إلى مزيد من الوعود. لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات الكبيرة. غزة تحتاج إلى حياة. تحتاج إلى مدارس تفتح أبوابها. إلى جامعات تستعيد طلابها. إلى مستشفيات تعمل. إلى بيوت تُبنى. إلى اقتصاد ينهض. إلى أطفال يحلمون بدلاً من أن يحفظوا أسماء الحروب.
وحتى يتحقق ذلك، سيبقى السؤال معلقاً فوق كل خيمة، وفوق كل ركام، وفوق كل أم ثكلى، وفوق كل طفل مشرّد: كم من الألم يجب أن يتحمله هذا الشعب بعد، قبل أن يُسمع صوته ويُصنع مستقبله بيده؟