أعاد الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن التوصل إلى مسودة اتفاق مبدئي مع إيران، وما تبعه من نفي إيراني سريع، المشهد التفاوضي بين واشنطن وطهران إلى مرحلة جديدة عنوانها الأبرز “صراع الروايات” في أكثر مراحل التفاوض حساسية.
ورغم التباين الظاهر بين الموقفين، فإن المعطيات المتوافرة لا تشير إلى انهيار المحادثات بقدر ما تعكس اختلافًا في إدارة التوقيت السياسي والإعلامي للإعلان عن نتائجها.
ويبدو أن واشنطن تسعى إلى تكريس الخطوط العريضة للاتفاق في المجال العام لدفع العملية التفاوضية نحو مراحلها النهائية، فيما تفضل طهران الإبقاء على هامش واسع للمناورة قبل الإعلان عن أي تفاهم نهائي.
وكشفت مصادر دبلوماسية غربية أن ما يجري تداوله لا يقتصر على إعلان نوايا سياسي، بل يتعلق بمسودة اتفاق تقنية متكاملة جرى إعدادها على مرحلتين خلال أسابيع من الاتصالات المكثفة التي استضافتها العاصمة الباكستانية إسلام آباد بعيدًا عن الأضواء.
وبحسب المصادر، فإن المفاوضات لم تُدر عبر القنوات الدبلوماسية التقليدية فحسب، بل شارك فيها خبراء في الأمن النووي ومسؤولون أمنيون واستخباراتيون من الجانبين، ضمن ترتيبات تولت باكستان تسهيلها والإشراف على جوانبها اللوجستية والأمنية.
وتشير المعلومات إلى أن أحد أبرز بنود المسودة يتعلق بمصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، حيث أبدت طهران موافقة مبدئية على نقل هذا المخزون أو تفكيكه ضمن آلية تخضع لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وترتيبات فنية متفق عليها بين الأطراف المعنية.
ورجحت المصادر أن تُنقل المواد النووية إلى دولة ثالثة، قد تكون سلطنة عُمان أو باكستان، ضمن إطار رقابي دولي يضمن تنفيذ الالتزامات الفنية المرتبطة بالاتفاق، وهو ما تعتبره الإدارة الأمريكية مؤشرًا على نجاح سياسة الضغوط التي انتهجتها خلال المرحلة الماضية.
إلا أن الملف النووي لا يمثل وحده محور التفاوض، فالمسودة تتضمن أيضًا ترتيبات مرتبطة بالأمن البحري والتبادل الاقتصادي، تبدأ بتمديد وقف إطلاق النار القائم وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة والتجارة الدولية، مقابل إجراءات أمريكية تسمح بتخفيف القيود المفروضة على الصادرات النفطية الإيرانية.
ورغم التقدم المسجل في عدد من الملفات، تؤكد المصادر أن الخلافات لا تزال قائمة حول جدول تنفيذ الالتزامات وآلية الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
فطهران تطالب بخطوات مالية مبكرة تثبت جدية الجانب الأمريكي، بينما تتمسك واشنطن بربط أي تخفيف للعقوبات أو تدفق مالي بإنجاز خطوات التحقق الفني المتعلقة بالبرنامج النووي.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن فهم الإعلان الأمريكي الأخير باعتباره جزءًا من استراتيجية تفاوضية تهدف إلى زيادة الضغوط السياسية على الجانب الإيراني وتسريع حسم القضايا العالقة، فيما يندرج النفي الإيراني ضمن محاولة للحفاظ على هامش الحركة داخليًا وتجنب تقديم الاتفاق للرأي العام باعتباره تنازلًا أحاديًا.
كما تسعى القيادة الإيرانية إلى إدارة التوازنات الداخلية الحساسة، ولا سيما في ظل وجود تيارات متشددة تراقب مسار التفاوض عن كثب، ما يدفع طهران إلى التأكيد باستمرار أن أي اتفاق لن يُعد نهائيًا قبل استكمال التفاهم بشأن جميع الجوانب المالية والسيادية.
وبحسب المصادر الغربية، فإن المؤشرات الصادرة من غرف التفاوض المغلقة توحي بأن الطرفين يمتلكان دوافع قوية للوصول إلى تسوية.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تخفيف التوتر في الشرق الأوسط وإعادة توجيه تركيزها نحو ملفات دولية أخرى، بينما تواجه إيران ضغوطًا اقتصادية متزايدة تجعل من تخفيف القيود على صادراتها النفطية وتحسين تدفقاتها المالية أولوية استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
وعليه، فإن التناقض الظاهر بين إعلان ترامب والنفي الإيراني قد لا يكون دليلًا على تعثر المفاوضات، بقدر ما يعكس اختلافًا في إدارة المرحلة الأخيرة من التفاوض، حيث لا يزال الطرفان يتجادلان حول تفاصيل التنفيذ، بينما تتقدم ملامح التسوية تدريجيًا خلف الأبواب المغلقة.