الساحة

عاجل
Home / أقلام / حين تتحول المطالب الشعبية إلى صراعات شخصية : بقلم عبد الحميد عبد العاطي

حين تتحول المطالب الشعبية إلى صراعات شخصية : بقلم عبد الحميد عبد العاطي

تُعد حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي من الحقوق الأساسية غير القابلة للمصادرة أو التعطيل التعسفي، وتكتسب أهمية مضاعفة في أوقات الحروب والأزمات الوطنية الكبرى، حيث تزداد حاجة المجتمعات إلى النقاش العام والمساءلة والمشاركة الشعبية في مواجهة التحديات الوجودية.

وفي الحالة الفلسطينية الراهنة، لا يجوز أن تتحول حرب الإبادة الجماعية أو الظروف الأمنية الاستثنائية إلى مبرر لتقييد الحريات العامة أو تجريم المعارضة السياسية أو إسكات الأصوات الناقدة، لأن الحقوق والحريات لا تفقد مشروعيتها في أوقات الأزمات، بل تصبح أكثر أهمية لحماية المجتمع من الانغلاق والاستبداد والانفراد بالقرار.
وتؤكد أحكام القانون الأساسي الفلسطيني والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان على:
حرية الرأي والتعبير.
حرية العمل الإعلامي والصحفي.
الحق في التجمع السلمي.
الحق في المشاركة في الشأن العام.
الحق في النقد والمساءلة.
الحق في الاختلاف السياسي والفكري.
الحماية من التحريض والتشهير بسبب المواقف السياسية.
ومن ثم فإن التعامل مع حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي باعتباره تهديداً أمنياً، أو تصوير المطالب المدنية باعتبارها مؤامرة أو خروجاً على الإجماع الوطني، يمثل خروجاً على مبادئ السلم الأهلي وسيادة القانون وتقييداً غير مشروع للحقوق والحريات الأساسية.
كما أن أخطر ما أفرزته المرحلة الراهنة هو تحويل جوهر المطالب الشعبية من نقاش يتعلق بالحقوق والمعاناة الإنسانية والسياسات العامة إلى صراعات شخصية وتنظيمية وعائلية، بحيث أصبح التركيز في كثير من الأحيان منصباً على مهاجمة الأشخاص أو التشكيك في النوايا أو تصنيف المواطنين وفق انتماءاتهم السياسية بدلاً من مناقشة مضمون المطالب نفسها.

ويؤدي هذا النهج إلى إزاحة النقاش عن جوهر الأزمة، وإلى خلق بيئة مجتمعية تتقبل القمع باعتباره ضرورة سياسية أو أمنية، بما يفضي تدريجياً إلى تطبيع انتهاكات الحقوق والحريات وتآكل الثقافة الديمقراطية داخل المجتمع.

كما يثير استخدام المؤسسات الرسمية أو الأجهزة التنفيذية أو الأطر الاجتماعية التقليدية في مواجهة الحراك السلمي إشكاليات قانونية وأخلاقية خطيرة، لأن وظيفة هذه المؤسسات يجب أن تظل محصورة في حماية المجتمع وضمان الأمن وسيادة القانون، لا الانخراط في الصراعات السياسية أو توجيه المجال العام أو التأثير على خيارات المواطنين السياسية.
ويزداد الأمر خطورة عندما يقترن ذلك بحملات منظمة للتخوين والتشهير والتحريض ونزع الوطنية عن المخالفين، أو عندما يجري توظيف العائلات والعشائر والوجهاء كوسائل ضغط اجتماعي لإفشال الحراك أو ردع المشاركين فيه، بما يحول الخلاف السياسي إلى انقسام مجتمعي ويهدد النسيج الوطني.

إن حماية الوحدة الوطنية لا تتحقق عبر إسكات الأصوات الناقدة أو تقييد المجال العام أو فرض الاصطفاف القسري خلف رؤية سياسية واحدة، وإنما من خلال احترام التعددية السياسية والفكرية، وضمان حرية الرأي والتعبير، وإدارة الاختلاف ضمن إطار سيادة القانون والمواطنة المتساوية.

فالمجتمعات الأكثر قدرة على الصمود في مواجهة التهديدات الخارجية ليست تلك التي تُقمع فيها الأصوات المختلفة، بل تلك التي تسمح بالنقاش الحر والمساءلة والمراجعة المستمرة للسياسات العامة، والاداء الوطني بما يعزز الثقة المجتمعية ويقوي الجبهة الداخلية ويمنع تراكم الأزمات والانفجارات المؤجلة.

ويشكل احترام حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي في فلسطين وخاصة قطاع غزة اليوم ضرورة وطنية وأخلاقية وقانونية، ليس فقط لحماية الحقوق الفردية، بل أيضاً للحفاظ على السلم الأهلي وتعزيز الصمود الوطني وتمكين المجتمع الفلسطيني من مواجه أخطر المراحل التي يمر بها في تاريخه المعاصر من ابادة جماعية وتجوبع وانقسام سياسي وتحديات وطنية وإنسانية تتطلب مشاركة الجميع في التصدي لها .