الساحة

عاجل
Home / أقلام / المغازي حين يصبح المخيم عائلة : بقلم زياد عوض

المغازي حين يصبح المخيم عائلة : بقلم زياد عوض

ليس كل مخيم تجمعا من البيوت وليس كل شارع طريقا يعبره الناس ثم يمضون بل قد يكون المخيم مدرسة في الوفاء وكتابا مفتوحا تقرأ فيه اخلاق الرجال ومعادنهم وهذا ما وجدته في مخيم المغازي ذلك المخيم الصغير في المحافظة الوسطى الذي اتسعت روحه حتى غدا كبيرا في نفوس من عرفوه

لقد عرفت المغازي عن قرب فلم اجد فيه غرباء بل وجدت اسرا تتقاسم الفرح كما تتقاسم الهم ويشد بعضها ازر بعض حتى اصبحت الاخوة فيه امرا يراه الزائر قبل ان يسمعه وكانت عائلة التلباني من العائلات التي تركت في نفسي اثرا لا يمحى بما عرف عنها من اصالة وكرم وحسن معاملة

واعرف المختار ورجل الاعمال محمد التلباني عن قرب وتربطني به علاقة طيبة امتدت عبر سنوات فلم اره ممن يكثرون الحديث عن اعمالهم ولا ممن يطلبون الثناء على ما يقدمون بل كان يؤمن ان الخير اذا صاحبه الضجيج فقد كثيرا من معناه ولذلك ظل يقدم لمخيم المغازي ولابناء المنطقة الوسطى ما استطاع دون ان ينتظر كلمة شكر او يبحث عن صورة او عنوان

ولقد مرت على غزة ايام كانت كفيلة بان تدفع كثيرا من الناس الى الرحيل وكان يستطيع كما استطاع غيره ان يغادر الى تركيا او مصر او الى اي بلد اخر وان يحصل على اقامة تيسر له حياة اكثر امنا واستقرارا بما يملكه من مكانة في عالم التجارة ولكنه اختار طريقا اخر واختار ان يبقى في غزة بين اهلها وشوارعها وازقتها يشارك الناس ما يلاقونه من صبر وما يتحملونه من عناء

ولم اجده ممن اتخذوا من الحرب بابا للتجارة او وسيلة لتحقيق المكاسب بل اكتفى بعمله الخارجي وحافظ على ما عرف به من نزاهة واحترام وكان يدرك ان قيمة التاجر ليست فيما يملك وحده بل فيما يحفظه من ضمير وما يؤديه من واجب تجاه مجتمعه

وكانت مجموعة مصانع العودة يوما من الايام عنوانا للعمل والانتاج وكانت ماكيناتها لا تهدأ وكان مئات من ابناء قطاع غزة يجدون فيها مصدر رزق كريم يعود بالنفع على اسرهم ويمنحهم املا في الغد

واليوم حين ازور المصنع يلفت انتباهي صمت ثقيل فلا اسمع صوت ماكينات البسكويت الذي كان يملأ المكان بالحياة وكأن الصمت نفسه يروي حكاية الحرب وما تركته من اثر في النفوس وفي المصانع وفي الارزاق ومع ذلك يبقى الامل قائما بان تعود تلك الماكينات الى الدوران وان يعود معها نبض الحياة والعمل

وهكذا يبقى مخيم المغازي شاهدا على ان قيمة الاماكن ليست في مساحتها ولا في مبانيها وانما في رجالها ونسائها وفي من اختاروا البقاء حين كان الرحيل سهلا وفي من جعلوا من الوفاء خلقا ومن خدمة الناس رسالة تستحق ان تروى وان تحفظ للاجيال