القدس – 6 تموز/يوليو 2026 – نشر سامر السنجلاوي، رئيس حزب «مسار جديد» تحت التأسيس، مقالاً في صحيفة «جيروزاليم بوست» تناول فيه ما وصفه بـ«المافيا الاقتصادية في غزة»، محذراً من أن نظام احتكار الاستيراد في القطاع لا يفاقم المأساة الإنسانية فحسب، بل قد ينعكس أيضاً على الأمن القومي الإسرائيلي.
وقال السنجلاوي إنه بينما انشغل العالم بالحرب الدائرة في غزة وبالكارثة الإنسانية التي يعيشها سكانها، برز نظام اقتصادي «أقل ظهوراً لكنه لا يقل خطورة» يعمل بعيداً عن الأضواء، داعياً إلى إخضاعه لتحقيق شامل.
وأضاف أنه، ووفقاً لما يؤكده العديد من التجار داخل غزة، اعتمدت السلطات العسكرية والأمنية الإسرائيلية منذ بداية الحرب على قائمة حصرية تضم 13 شخصاً فقط مخولين باستيراد البضائع التجارية إلى القطاع، مشيراً إلى أن بعض الأسماء تبدلت مع الوقت، لكن جوهر النظام بقي قائماً على حصر حق الاستيراد بمجموعة صغيرة وإقصاء مئات التجار الذين شكلوا لعقود العمود الفقري للاقتصاد الغزي.
وأوضح أن آخر قائمة اعتمدتها إسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 2025 ضمت كلاً من: مصطفى عيد، محمد الخزندار، محمد البرقي، رياض داود، محمد دردساوي، مهند أبو حلوب، سامح عثمان، رائد أبو مرعي، عيادة الريفي، محمد الخضري، بكر أبو حليمة، سهيل أبو حليمة، ومحمود أبو مرعي. وأكد أن «المشكلة ليست في الأشخاص أنفسهم، بل في النظام الذي منحهم هذا الاحتكار».
وبحسب المقال، فإن شهادات عدد كبير من التجار في غزة تشير إلى أن هؤلاء لا يعملون كمستوردين حقيقيين بقدر ما يقومون بدور الوسطاء بين التجار الفعليين والسلطات الإسرائيلية، بحيث يصبح أي تاجر راغب في إدخال بضاعته مضطراً للمرور عبر أحدهم.
ونقل السنجلاوي عن تجار قولهم إن العمولات التي يتقاضاها الوسطاء تتراوح بين 150 ألفاً و400 ألف شيكل للشاحنة الواحدة بحسب نوع البضاعة، مضيفاً أنه إذا صحت هذه الأرقام فإن أرباح الواحد منهم قد تصل إلى نحو مليون شيكل يومياً مقابل احتكار التنسيق والاستيراد.
وأشار إلى أن آثار هذا النظام لا تقتصر على تحقيق أرباح كبيرة، بل تنعكس مباشرة على سكان القطاع، إذ تؤدي كل عمولة إضافية إلى رفع أسعار المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء والوقود والسلع الأساسية الأخرى، في وقت يواجه فيه السكان واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
كما لفت إلى أن مئات رجال الأعمال الفلسطينيين الذين يمتلكون خبرات طويلة وشبكات تجارية واسعة تم استبعادهم، ليحل محلهم نظام «يبدو أن معياره الأساسي هو الامتياز الحصري لا الكفاءة أو الخبرة أو المنافسة».
وأضاف أن الاحتكار الاقتصادي يخلق بطبيعته سوقاً سوداء، وعندما ترتبط القدرة على الاستيراد بتصاريح حصرية بدلاً من قواعد شفافة تنتشر المحسوبيات والفساد وشبكات المال غير الرسمية. ورأى أن اقتصادات الحروب كثيراً ما تفرز قلة تحقق ثروات هائلة على حساب المجتمع، وأن تجارب المنطقة أظهرت أن الاحتكارات التي تنشأ أثناء النزاعات قد تتحول لاحقاً إلى مراكز نفوذ سياسي وأمني يصعب تفكيكها.
وقال السنجلاوي إن هذا الأمر «يجب أن يقلق الإسرائيليين بقدر ما يقلق الفلسطينيين»، موضحاً أن إسرائيل تعلن باستمرار أن هدفها الاستراتيجي يتمثل في إضعاف التنظيمات المتطرفة وتعزيز الاستقرار وتهيئة الظروف لواقع مختلف في غزة، بينما قد يؤدي إنشاء نظام اقتصادي مغلق يراكم الثروات في أيدي عدد محدود من الأشخاص إلى نتيجة معاكسة، عبر إضعاف القطاع الخاص الفلسطيني الحقيقي، ومكافأة الامتيازات الحصرية، وخلق طبقة جديدة من المنتفعين قد ترتبط مصالحها باستمرار الاحتكار والفوضى.
وطرح السنجلاوي مجموعة من الأسئلة التي وصفها بالمشروعة، من بينها: لماذا يستمر هذا النظام الاحتكاري حتى اليوم؟ وما المعايير الموضوعية لاختيار المسموح لهم بالاستيراد؟ ولماذا استُبعد معظم كبار التجار المعروفين في غزة؟ ومن يراقب الأموال الضخمة الناتجة عن هذه العمولات؟ وهل فحصت مؤسسات الرقابة الإسرائيلية ما إذا كان النظام يخدم المصالح الأمنية الإسرائيلية على المدى البعيد؟ وهل جرى التحقيق في وجود شبهات فساد مالي تتجاوز دائرة التجار المستفيدين؟ وشدد على أن هذه «ليست اتهامات بل أسئلة تستحق إجابات شفافة».
وفي ختام مقاله، دعا وسائل الإعلام الإسرائيلية الاستقصائية إلى فتح تحقيق مستقل وشامل في نظام تصاريح الاستيراد إلى غزة، على أن يشمل كيفية اختيار المستوردين المعتمدين، وآليات الرقابة، ومدى الحفاظ على المصلحة العامة، وما إذا كان أي شخص داخل القطاع التجاري أو خارجه قد استفاد مالياً بصورة غير مشروعة من هذا النظام.
وأضاف أن كشف أي إخفاقات هيكلية أو ممارسات احتكارية أو شبهات فساد مالي ومعالجتها «لن يخدم الفلسطينيين وحدهم، بل سيخدم أيضاً الأمن القومي الإسرائيلي»، مؤكداً أن غزة مستقرة لا يمكن أن تُبنى على اقتصاد يقوم على الاحتكار والمحسوبية والثراء الناتج عن ظروف الحرب، وأن الأمن المستدام يتحقق عبر الشفافية والمساءلة والمؤسسات الفاعلة والأسواق التنافسية وسيادة القانون.
وختم السنجلاوي بالقول إن تجاهل البعد الاقتصادي للأزمة في غزة اليوم قد يكون سبباً في صناعة التهديدات الأمنية التي ستواجهها إسرائيل غداً.