الساحة

عاجل
Home / آخر الأخبار / ورقة تقدير موقف الحراك السلمي في قطاع غزة وسلوك حركة حماس: بين هواجس البقاء في السلطة ومتطلبات الشرعية الوطنية وسيادة القانون

ورقة تقدير موقف الحراك السلمي في قطاع غزة وسلوك حركة حماس: بين هواجس البقاء في السلطة ومتطلبات الشرعية الوطنية وسيادة القانون

ورقة تقدير موقف

الحراك السلمي في قطاع غزة وسلوك حركة حماس:
بين هواجس البقاء في السلطة ومتطلبات الشرعية الوطنية وسيادة القانون

ملخص تنفيذي

تكشف ردود الفعل السياسية والإعلامية والأمنية المصاحبة للدعوات إلى الحراك السلمي في قطاع غزة عن وجود أزمة متفاقمة في العلاقة بين السلطة القائمة والمجتمع، تتجاوز حدود الخلاف حول توقيت الاحتجاج أو مضمونه لتصل إلى طبيعة النظام السياسي وآليات إدارة المجال العام وحقوق المواطنين في التعبير والمشاركة السياسية.

وتشير المؤشرات المتوافرة إلى أن المقاربة المعتمدة تقوم على أمننة المجال العام، وتجريم المعارضة السياسية والاجتماعية، وتوظيف خطاب التخوين والتحريض والاستقطاب الفئوي، بما يهدف إلى منع تشكل أي فضاء شعبي مستقل قادر على التعبير او مساءلة السلطة أو المطالبة بإعادة النظر في السياسات العامة وإدارة الشان الوطني والإنساني في ظل الظروف الراهنة

وفي ظل الإبادة الجماعية والحرب المستمرة والانهيار الشامل للأوضاع الإنسانية، تنطوي هذه السياسات على مخاطر متزايدة تهدد السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي ومستقبل العمل الوطني والشرعية الشعبية.

أولاً: السياق العام

يأتي الحراك الشعبي في قطاع غزة في ظل بيئة استثنائية غير مسبوقة تتسم بـ:

– حرب إبادة جماعية متواصلة.
– انهيار واسع للبنية التحتية والخدمات العامة.
– تفكك منظومات الحماية الاجتماعية.
– ارتفاع معدلات النزوح والفقر والجوع.
– تراجع الثقة الشعبية بمؤسسات الحكم القائمة.
– استمرار الانقسام السياسي
– غياب آليات الرقابة والمساءلة الديمقراطية.
– الخوف من تصاعد حرب الإبادة ومخططات التهجير القسري.

وفي مثل هذه السياقات التاريخية تظهر عادة مطالب شعبية تتعلق بالمطالب الإنسانية بوقف الحرب وتعزيز الصمود والإصلاح وإعادة تقييم السياسات العامة، وادارة المقاومة والمقاوضات باعتبارها جزءاً من حق المجتمع في حماية ذاته ومصالحه ومستقبله.

ثانياً: الإطار التفسيري لسلوك حركة حماس

يمكن فهم السلوك الحالي لحركة حماس من خلال أربعة اعتبارات رئيسية:

1. أولوية البقاء السياسي والتنظيمي

تتعامل الحركة مع أي حراك مستقل باعتباره تهديداً مباشراً لموقعها السياسي وللقدرة على الاحتفاظ بالسيطرة على المجال العام.

لذلك يجري التعامل مع الاحتجاجات من منظور أمني وليس من منظور سياسي أو حقوقي.

2. الخشية من انتقال الغضب الفردي إلى فعل جماعي

تدرك الحركة أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الدعوات ذاتها، بل في إمكانية تحول التذمر الشعبي المتراكم إلى حركة اجتماعية واسعة تتجاوز الاصطفافات الحزبية التقليدية، مع الخشية من استغلال الحرك في الفوضي من قبل السلطة الفلسطينية او الاحتلال او خصوم الحركة التي انتهكت حقوقهم خلال حكم حركة حماس للقطاع.

3. رفض إعادة توزيع الشرعية الوطنية

يبدو أن أحد دوافع التصعيد يتمثل في منع ظهور فاعلين جدد أو قوى مجتمعية مستقلة قد تطالب بدور في رسم القرار الوطني أو مساءلة مراكز القوة القائمة عن إدارة الشأن العام.

4. حماية نموذج التفرد في إدارة السلطة والمقاومة

تكشف طبيعة الخطاب المستخدم عن تمسك واضح بمعادلة تربط بين التنظيم والسلطة والمقاومة، بما يجعل أي نقد للأداء السياسي أو الإداري أو الأمني يُصور باعتباره استهدافاً للمقاومة ذاتها وكان حركة حماس فقط هي وحدها تمثل المقاومة.

ثالثاً: سمات الخطاب الفئوي والإقصائي

تكشف البيانات والتصريحات المتداولة عن تصاعد نمط من الخطاب السياسي والاجتماعي يقوم على قاعدة:

“من ليس معنا فهو ضدنا”

وهي مقاربة تحمل دلالات خطيرة لأنها:

– تلغي التعددية السياسية والاجتماعية.
– تنفي شرعية الاختلاف.
– تحول المعارضة إلى خصومة وجودية.
– تستبدل الحوار الوطني بمنطق الولاء والانتماء التنظيمي.

كما تترافق هذه المقاربة مع:

– التخوين السياسي.
– التشهير الاجتماعي.
– التحريض المعنوي.
– ربط المعارضين بالاحتلال أو العمالة.
– نزع الوطنية عن المخالفين.

وهي أدوات تستخدم تاريخياً في الأنظمة المغلقة لإضعاف المجال العام ومنع تشكل رأي مستقل.

رابعاً: توظيف البنى العائلية والعشائرية

من أخطر التحولات الراهنة انتقال المواجهة من الحقل السياسي إلى الحقل الاجتماعي.

ويظهر ذلك من خلال:

– استنفار الوجهاء والمخاتير ضد اي حرك شعبي .
– استدعاء العائلات والعشائر والقيادات العشايرية المحسوبة علي الحركة .
– تحميل العائلات مسؤولية مواقف الأفراد فيها .
– محاولة فرض الرقابة المجتمعية على حرية التعبير .

ويمثل هذا السلوك تهديداً مباشراً لمفهوم المواطنة وسيادة القانون وحرية الراي ، لأنه يستبدل المسؤولية الفردية بالعقوبة الاجتماعية الجماعية وتكريس الانقسامات والشرخ الاجتماعي

كما يؤدي إلى:

– تفكيك الروابط المجتمعية.
– إنتاج اصطفافات أهلية خطيرة.
– تغذية النزاعات في العائلة الواحدة.
– إضعاف التماسك الاجتماعي والوطني.

خامساً: إشكالية سيادة القانون وحقوق الإنسان

تثير هذه الممارسات إشكاليات جوهرية تتعلق بمنظومة الحقوق والحريات وسيادة القانون

فوفقاً للقانون الأساسي الفلسطيني والمعايير الدولية لحقوق الإنسان:

– حرية الرأي والتعبير حق أصيل.
– الحق في التجمع السلمي حق مكفول.
– لا يجوز تجريم الرأي السياسي.
– لا يجوز التحريض ضد الأفراد بسبب مواقفهم السياسية.
– لا يجوز فرض عقوبات جماعية أو اجتماعية على العائلات أو الجماعات .
– دعم الحرك الشعبي في الضفة ورفضة في غزة .

إن استمرار التعامل مع المطالب المدنية باعتبارها تهديداً أمنياً يفضي عملياً إلى تقويض مبدأ سيادة القانون وإحلال منطق القوة محل منطق الحقوق والحريات وسيادة القانون.

سادساً: التأثيرات الاستراتيجية المحتملة

على المدى القريب:

– تراجع مساحة الحريات العامة.
– تصاعد الرقابة الذاتية والخوف المجتمعي.
– زيادة الاحتقان الشعبي.
– تكريس الخوف من القمع

على المدى المتوسط:

– اتساع الفجوة بين المجتمع وحركة حماس وسلطتها .
– تآكل الشرعية السياسية.
– تصاعد النزعات الفئوية والانقسام الداخلي.
– غياب مقاربات وطنية لمواجهة التحديات الوطنية والإنسانية

على المدى البعيد:

– إضعاف المشروع الوطني الجامع.
– تآكل الثقة بالاحزاب، ز المؤسسات العامة.
– تهديد السلم الأهلي.
– إضعاف قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة الاحتلال
– اضعاف الانتماء الوطني والبحث عن الحلول الفردية.

سابعاً: السيناريوهات المستقبلية

السيناريو الأول: الاحتواء والقمع الأمني

نجاح أدوات الردع والتخويف في تقليص الحراك مؤقتاً او افشالة.

غير أن هذا السيناريو لا يعالج أسباب الأزمة بل يؤجل انفجارها.

السيناريو الثاني: تصاعد الاستقطاب

استمرار التخوين والتحريض وتوسيع دائرة المواجهة مع المجتمع .

ويحمل هذا السيناريو مخاطر كبيرة على النسيج الاجتماعي والسلم الأهلي.

السيناريو الثالث: المراجعة الوطنية

الانتقال إلى مقاربة تستند إلى:

– احترام الحريات العامة.
– قبول التعددية.
– فتح المجال للحوار وقبول التعددية
– إشراك القوى المجتمعية.
– إعادة بناء التوافق الوطني.

وهو السيناريو الأكثر قدرة على حماية الجبهة الداخلية وتعزيز الصمود الوطني وحماية السلم الأهلي.

الاستنتاجات الرئيسية

1. إن تجريم الحراك السلمي لا يعالج أسباب الأزمة بل يعمقها.

2. إن خطاب التخوين والإقصاء يمثل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي والعلاقات الوطنية

3. إن ربط التنظيم بالمقاومة والوطن يؤدي إلى مصادرة حق المجتمع في حرية الرأي والمراجعة.

4. إن استدعاء العائلات والعشائر إلى الصراع السياسي يقوض مبدأ المواطنة وسيادة القانون ويؤدي الي تهتك النسيج الاجتماعي وتعميق الخلافات في العائلات الفلسطينية بدل من تعزيز الترابط الاجتماعي وقبول التنوع الحيوي .

5. إن حماية الوحدة الوطنية لا تتحقق بإسكات الأصوات الناقدة والمعارضة ،وإنما بضمان سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات وفتح المجال أمام الحوار والتسامح والتعددية وتعزيز السلم الأهلي والوحدة.

التوصيات

– وقف كافة حملات التحريض والتخوين والتشهير.
– احترام الحق في التجمع السلمي وحرية التعبير.
– تحييد العائلات والعشائر عن الصراعات السياسية.
– الالتزام بمبادئ سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان حتي في ظل الطواري وكل الظروف .
– فتح حوار وطني ومجتمعي شامل حول إدارة الشأن العام في قطاع غزة وحماية الإنسان الوجود الفلسطيني ومنع تصاعد حرب الإبادة الجماعية وضمان تعزيز الاستجابة الإنسانية والتعافي.
– تطوير آليات للمشاركة والرقابة المجتمعية على أداء السلطات والقوى السياسية كافة.
– تعزيز الخطاب الوطني الجامع القائم على الشراكة والتعددية واحترام الاختلاف والسلم الأهلي.

الخاتمة

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المجتمع الفلسطيني اليوم لا يكمن في وجود أصوات ناقدة أو حراكات سلمية، بل في القدرة على إدارة الاختلاف بصورة ديمقراطية ووطنية تحافظ على وحدة المجتمع وحقوق أفراده وسيادة القانون في كل الظروف .
فالمجتمعات التي تُمنع فيها حرية الرأي ويُجرَّم فيها النقد وتتراجع فيها سيادة القانون، تصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات الوطنية والإنسانية وأكثر عرضة للتفكك الداخلي، بينما يشكل احترام الحقوق والحريات والتعددية السياسية شرطاً أساسياً لحماية السلم الأهلي وتعزيز الصمود الوطني في مواجهة الاحتلال ومشاريعه.