تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الساحة

عاجل
Home / أخبــار / كشوفات الموت والوساطة».. كيف تحوّلت قوائم التنسيق الطبي في غزة إلى تجارة استثناءات شبكية؟

كشوفات الموت والوساطة».. كيف تحوّلت قوائم التنسيق الطبي في غزة إلى تجارة استثناءات شبكية؟

غزة — خاص المواطن

في قطاعٍ يُحاصر فيه المرضى بين الحاجة إلى العلاج وإغلاق المعابر، لا تبدو قوائم التنسيق الطبي مجرد جداول إدارية، بل تتحول — وفق وثائق وسجلات رقمية حصلت عليها «قناة المواطن» — إلى ملف بالغ الحساسية تثير تفاصيله شبهات خطيرة بشأن التلاعب بالأولوية، وإعادة ترتيب الأسماء، وتمرير استثناءات عبر مسارات غير واضحة.

وتُظهر البيانات، المؤرخة في 15 سبتمبر/أيلول 2026، سلسلة من التعديلات اليدوية والإجراءات الاستثنائية التي تستدعي تدقيقاً مستقلاً من الجهات المختصة، خصوصاً مع وجود حالات متنازل عنها أو مرفوضة أو مؤجلة لا تزال ظاهرة في القوائم، بالتزامن مع إدراج حالات أخرى لا تبدو — وفق المعلومات المتاحة — في مستوى الاستعجال الطبي نفسه.

أسماء تُلغى على الورق وتبقى في النظام

تكشف مراجعة السجلات عن حالات سُجلت عليها ملاحظات تفيد بالتنازل عن السفر أو صدور قرارات حذف، بينما بقيت الأسماء مدرجة في النظام.

من بين ذلك المريض (ع. أ. م.) من العائلة (50)، حيث تظهر ملاحظة مكتوبة تفيد برفضه السفر ورغبته في منح الفرصة لمريض آخر، من دون أن يقترن ذلك — بحسب السجل — بإزالة الاسم واستبداله.

كما تظهر حالات إلغاء رسمية، بينها (م. ج. أ.) من العائلة (6) و(إ. م. ص.) من العائلة (20)، مع استمرار ظهور بياناتهما وبيانات أسرهما ضمن الكشف.

وتبرز كذلك أسماء تحمل مؤشرات رفض أمني، بينها (س. ج. ب.) من العائلة (39) مع تسجيل «EG/CLA Denied»، و(م. خ. ح.) من العائلة (58) المسجل كمرفوض إسرائيلياً، إضافة إلى حالات مؤجلة مثل (ع. م. أ.) من العائلة (1).

وجود هذه الحالات لا يثبت وحده وقوع تلاعب، لكنه يطرح سؤالاً إدارياً واضحاً: إذا كان الاسم غير قادر على السفر أو تنازل صاحبه أو صدر قرار بحذفه، فلماذا يبقى في الكشف، ومن يستفيد من بقاء الخانة مشغولة؟

تشخيصات غير عاجلة في زمن الطوارئ

الأكثر إثارة للقلق هو ظهور حالات طبية تبدو، بحسب التشخيص المسجل وحده، أقل إلحاحاً من إصابات الحرب والبتر والحالات الحرجة التي ينتظر أصحابها دورهم للخروج.

وتتضمن البيانات حالات تشخيصها «ناسور شرجي» للمريضين (خ. ج. ع.) و(أ. م. ش.)، مع إشارة في إحدى الحالات إلى إعادة تمريرها يدوياً بعد رفض أولي.

كما تظهر حالات حصوات الكلى للمريض (م. خ. ت.) والتهابات جلدية موضعية للمريض (ع. م. م.).

وفي حالة لافتة، يظهر طفل يبلغ من العمر 10 سنوات، هو (م. م. أ.)، بتشخيص «عرق النسا»، وبرفقته مرافقان مسجلان على أنهما الجد والجدة.

أما الحالة (ص. م. ح.) من العائلة (58)، فتظهر خانة التشخيص فيها فارغة ومشاراً إليها بعلامة «-»، رغم إدراج مرافقين اثنين، الأب والأم.

وهنا لا تكمن المسألة في التشخيصات ذاتها، فقد تكون لبعضها ضرورة علاجية حقيقية، وإنما في كيفية ترتيب الأولويات الطبية داخل منظومة يفترض أن تُعطي الأولوية للحالات الأكثر خطورة وإلحاحاً.

المرافقون.. ثغرة تتحول إلى باب للخروج

تُظهر البيانات أيضاً حالات لمرافقين تربطهم بالمرضى صلات قرابة ثانوية، وهو ما يستدعي التدقيق في مدى توافق تلك الإضافات مع المعايير المعتمدة.

من الحالات المسجلة: شاب يبلغ نحو 22 عاماً أُدرج بصفة «ابن أخ» للمريض (م. ت.)، وشاب يبلغ 36 عاماً أُدرج بصفة «ابن أخت» للمريض (ع. ك.)، إضافة إلى شاب مسجل بصفة «ابن عم» للمريض (م. ا.).

وفي حالات أخرى، لا تظهر صلة القرابة بالمرافق أصلاً في السجل، كما في حالتي المريضتين (س. ش.) و(ع. أ.).

هذه البيانات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مقابل مالي، لكنها تفرض سؤالاً أكثر خطورة: هل تحولت خانة المرافق من ضرورة إنسانية وطبية إلى منفذ يمكن توسيعه وفق العلاقات والنفوذ؟

«سماسرة التنسيق».. ادعاءات مالية تحتاج إلى تحقيق

تتحدث المعطيات التي حصلت عليها «قناة المواطن» عن شبهات استغلال مالي لعملية التنسيق، من خلال ما يوصف محلياً بـ«سماسرة التنسيقات»، مع ادعاءات بأن بعض الخانات أو الاستثناءات قد يجري الحصول عليها مقابل مبالغ مالية.

ومن أخطر ما ينبغي التحقيق فيه:

· استخدام خانة المرافق لتمرير أشخاص لا تفرض حالتهم الصحية وجودهم ضمن قوائم المرضى.
· استغلال مسار التظلمات واللجان الاستثنائية لتغيير الأولويات.
· إبقاء أسماء مرفوضة أو متنازل عنها داخل النظام بما قد يؤدي إلى تشويه الصورة الفعلية للأعداد والخانات المتاحة.
· وجود تعديلات يدوية متكررة تسمح بتغيير وضع بعض الحالات دون وضوح كافٍ بشأن أسباب التعديل وسلسلة الموافقات.

خروج لا علاقة له بالعلاج

وتكشف المعلومات عن حالات لأشخاص غادروا القطاع قبل نحو أسبوعين (ع.ح)، في الوقت الذي تظهر لديهم دعوات لحفلات زفاف مقررة الأسبوع المقبل، وهو ما يثير تساؤلات حول آلية إدراجهم ضمن قوائم السفر، وما إذا كانت هناك حالات جرى تمريرها لأغراض لا ترتبط بالحاجة الطبية، تحت ذريعة «التموين» أو عبر مسارات استثنائية.

الأطفال في قلب المعادلة

تزداد خطورة الملف عندما يتعلق الأمر بالأطفال المرضى والمصابين، إذ تثير البيانات تساؤلات حول آليات اختيار المرافقين، خصوصاً عندما يتعذر سفر أحد الوالدين لأسباب أمنية أو إدارية.

وتطرح الحالات الواردة في السجلات أسئلة حول ما إذا كانت آليات الاستبدال تمنح الأم أو الأب البديل المناسب حق المرافقة، أم أن الخانة قد تبقى معلقة أو تُمنح لآخرين وفق إجراءات استثنائية.

في حالة الأطفال المصابين، ليست خانة المرافق امتيازاً إدارياً؛ إنها جزء من الرعاية الإنسانية الأساسية. لذلك فإن أي تلاعب فيها — إن ثبت — لا يمثل مجرد مخالفة ورقية، بل قد يترك طفلاً مريضاً بعيداً عن الشخص الأقدر على رعايته.

الأسماء والمُعرّفات المشفّرة: من يحرك الخيوط؟

تُظهر حركة البيانات الرقمية أسماء ومُعرّفات مشفّرة مرتبطة بإجراءات مختلفة، وهي نقطة تحتاج إلى تحقيق تقني مستقل يحدد صلاحيات كل مستخدم وما إذا كان تنفيذ الإجراء يتوافق مع اختصاصه.

ومن بين الأسماء والمُعرّفات الظاهرة في السجلات:

· (ب. ع.): يظهر اسمه مرتبطاً بتسجيل قرارات اعتماد سفر أسر ومرافقين عبر مسار التظلمات في أكثر من تسع عائلات.
· (ASultan): يظهر مرتبطاً بإجراءات التأجيل والحذف وفك المنع المباشر.
· (Kh.h): يظهر مرتبطاً بإقرار طلبات تظلمات جماعية.
· (م. أ.): يظهر مرتبطاً بإجراء يتعلق برفع منع الداخلية في النظام.
· كما تظهر أسماء أطباء، من بينها (د. ح. ح.)، (د. ص. ش.)، (Dr. M)، (د. م. ح.)، ضمن سجلات مرتبطة بموافقات أو إجراءات استثنائية.

السؤال الذي لا يمكن تأجيله

القضية ليست مجرد أسماء في ملف إلكتروني، ولا مجرد أخطاء إدخال يمكن تجاوزها باعتبارها خللاً إدارياً.

نحن أمام منظومة تحتاج إلى تدقيق شامل ومستقل في طريقة ترتيب المرضى، وإدارة المرافقين، والتظلمات، والحذف والتأجيل، وفك المنع، والموافقات الاستثنائية.

«كشوفات الموت والوساطة» ليست عنواناً صحفياً فقط؛ إنها سؤال عن العدالة في طابور الخروج.

ففي مكانٍ ينتظر فيه مصاب ببتر أو طفل يحتاج إلى علاج عاجل فرصة قد لا تتكرر، يصبح السؤال الأخطر هو: من يقرر من يخرج أولاً؟ وعلى أي أساس؟ ومن يراقب من يملك القدرة على تغيير القرار؟

وتضع هذه الوثائق، بصرف النظر عن نتائج التحقق النهائي منها، الجهات الطبية والإدارية والرقابية أمام مسؤولية عاجلة: فتح تدقيق مستقل في سجلات النظام، مراجعة كل التعديلات الاستثنائية، مطابقة صلاحيات المستخدمين مع الإجراءات المنفذة، والتحقق من أي شبهات مالية أو وساطة، مع حماية المرضى من أن تتحول حاجتهم للعلاج إلى سوق للاستثناءات.