تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الساحة

عاجل
Home / أقلام / «نحن أصحاب الحكاية».. دعوة لإعادة تعريف دور المؤثر الفلسطيني

«نحن أصحاب الحكاية».. دعوة لإعادة تعريف دور المؤثر الفلسطيني

ولاء سعيد الحمضيات
باحثة دكتوراه في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة.

على هامش الفيلم الذي أخرجه مخرجون إسرائيليون، عادت إليّ قناعة قديمة لم أتوقف عن ترديدها:

إن أخطر ما نخسره حين يُروى وجعنا بأصوات الآخرين، ليس دقة الحكاية فحسب، بل حقنا في أن نكون أصحابها.

لهذا كنت دائمًا أقول إننا بحاجة إلى جيوش إلكترونية فلسطينية؛ لا جيوشًا مهمتها مطاردة التبرعات واستدرار الشفقة، وإنما جيوشًا تعرف كيف تحمل الرواية الفلسطينية إلى العالم، بأصوات الذين عاشوا التجربة، واكتووا بنارها، ودُفعت حياتهم ثمنًا لحرب لم يختاروها.

نحتاج إلى من عاش الإبادة، لا من يشرحها من بعيد.

نحتاج إلى من رأى الخراب بعينيه، وخسر بيته وأحبته وذكرياته، ثم استطاع، رغم كل شيء، أن يجلس أمام العالم ويقول:

نحن لا نريد الحرب.
نحن لا نريد الموت.
نحن نريد أن نعيش.

من تجربتي، كلما جلست أمام شخصية أجنبية، كانت الأسئلة ذاتها تحاصرني:

كيف عشتِ الحرب؟
كيف حال الناس في غزة؟
هل الناس يريدون الحرب؟
ماذا يشعرون؟
هل ما زالوا يؤمنون بالسلام؟
كيف استطاع الناس أن يتحملوا كل هذا؟

وفي كل مرة كنت أشعر أن هناك شيئًا أكبر بكثير من مجرد الأسئلة السياسية.

كنت أشعر أن العالم يريد أن يعرف الإنسان الفلسطيني.

يريد أن يعرف من هؤلاء الذين يسمع عنهم كل يوم؟

كيف كانوا يعيشون قبل الحرب؟
كيف كانوا يحبون؟
كيف كانوا يضحكون؟
ماذا يأكلون؟
ماذا يسمعون؟
كيف يحتفلون؟
ما الذي ورثوه عن أمهاتهم وجداتهم؟
ما أسماء أحيائهم وشوارعهم؟
ما الأغنية التي كانت تصدح في أعراسهم؟
ماذا كان الطفل الفلسطيني يحلم أن يصبح عندما يكبر؟

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الإنسان.

وهي أيضًا، في رأيي، واحدة من أهم ساحات المعركة التي يجب أن ندخلها.

لأننا ارتكبنا خطأ حين تركنا صورة الفلسطيني تُختزل، في كثير من الأحيان، في الضحية.

طفل تحت الركام.
أم تبكي.
بيت مهدّم.
جريح في مستشفى.
طابور مساعدات.
نداء تبرع.

نعم، هذه كلها حقائق مؤلمة، ويجب أن يراها العالم.

لكن هذه ليست فلسطين كلها.

فلسطين ليست الركام فقط.

فلسطين كانت بيتًا قبل أن يصبح ركامًا.

وكانت أمًا قبل أن تصبح صورة امرأة تبكي.

وكانت طفلًا يركض في الشارع قبل أن يصبح رقمًا في إحصائية.

وكانت عائلة تجتمع حول مائدة قبل أن تصبح قصة فقد.

وكانت مدينة لها رائحة وصوت ولهجة وذاكرة وتاريخ.

وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية المؤثر الفلسطيني.

أنا لا أعتقد أن مهمته الأولى أن يكون جامع تبرعات.

ولا أن يحوّل كل ظهور إلى نداء استغاثة.

ولا أن يجعل كل قصة فلسطينية تنتهي بعبارة: “ساعدونا”.

التبرع مهم، والمساعدة الإنسانية مهمة، ومن الواجب أن نقف مع الناس في الكوارث، لكن هناك معركة أخرى لا تقل أهمية، وربما كانت نتائجها أبعد أثرًا:

معركة الوعي.

معركة أن يعرف العالم الفلسطيني قبل أن يتعاطف معه.

أن يفهمه قبل أن يحزن لأجله.

أن يعرف ثقافته قبل أن يرى صور دمائه.

أن يسمع صوته قبل أن يسمع من يتحدث باسمه.

لأن الإنسان الذي يعرفك لا يراك مجرد خبر عابر.

والإنسان الذي يفهم قصتك لا يحتاج في كل مرة إلى صورة جديدة من صور المأساة حتى يتذكر أنك موجود.

نحن بحاجة إلى فلسطينيين يستطيعون أن يدخلوا إلى غرف العالم، إلى الجامعات، إلى الإعلام، إلى المنصات الرقمية، إلى كل مكان يمكن أن تصل إليه أصواتهم، ويقولوا:

تعالوا نخبركم من نحن.

لا نريد أن نحدثكم عن الموت طوال الوقت.

سنتحدث عن الحياة.

سنتحدث عن غزة قبل الحرب.

عن البحر الذي كان متنفس أهلها.

عن شوارعها.

عن أكلها.

عن لهجتها.

عن مخيماتها.

عن جامعاتها.

عن عائلاتها.

عن أفراحها.

عن الدبكة.

عن رمضان.

عن القهوة التي كانت تجمع الناس.

عن الجدات اللواتي حملن الذاكرة من جيل إلى جيل.

عن الفلسطيني الذي يحب ويغضب ويضحك ويحلم ويخطط لمستقبله مثل أي إنسان على هذه الأرض.

ثم نخبرهم بما حدث.

وعندها فقط سيصبح للدمار معنى مختلف.

لأنك عندما تعرف الحياة التي كانت موجودة قبل الخراب، ستفهم حجم الخراب.

وعندما تعرف الإنسان قبل أن يصبح ضحية، ستدرك حجم الجريمة.

نحن بحاجة إلى رواة، لا إلى متسولين للرواية.

وهذه نقطة أراها شديدة الأهمية.

هناك فرق هائل بين أن تقف أمام العالم وتحكي قصتك لأنك تريد أن يفهمك، وبين أن تحكي قصتك فقط لكي تفتح محفظته.

الأول يصنع وعيًا.

والثاني قد يصنع تبرعًا ينتهي بانتهاء البث.

نحن نحتاج إلى أشخاص يستطيعون أن يتحدثوا عن فلسطين من دون أن يمدوا أيديهم في نهاية كل جملة.

أشخاص إذا انتهت قصتهم، لا يقولون:

“والآن تبرعوا.”

بل يتركون في رأس المستمع سؤالًا آخر:

لماذا لم أكن أعرف هذا من قبل؟

نريد شخصًا يتحدث عن فلسطين فيستمع إليه الأوروبي والأمريكي والآسيوي والعربي، فيكتشف أن الفلسطيني ليس صورة صنعتها الأخبار.

نريد شخصًا يجعل من لم يزر فلسطين يشعر، ولو لدقائق، أنه دخل أحد بيوتها.

جلس إلى مائدتها.

سمع لهجتها.

عرف ناسها.

ضحك مع أهلها.

ثم فجأة، عندما يعرف كل ذلك، يدرك ماذا يعني أن تُقتلع حياة كاملة من مكانها.

وهنا تصبح الرواية أقوى من ألف صورة.

لذلك أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف دور المؤثر الفلسطيني.

المؤثر ليس مجرد شخص لديه متابعون.

المؤثر شخص لديه قدرة على تشكيل صورة.

والصورة التي نصنعها عن أنفسنا اليوم، قد تعيش بعدنا بسنوات.

إذا قدمنا أنفسنا للعالم كشعب منكسر ينتظر المساعدة، فهذه هي الصورة التي ستبقى.

أما إذا قدمنا أنفسنا كشعب قاوم المحو بالتمسك بحياته وثقافته وذاكرته، فهذه هي الرواية التي ستبقى.

نحن لا نريد أن نمحو صورة المأساة.

نريد أن نضعها في مكانها الصحيح.

نريد أن نقول للعالم:

نعم، نحن رأينا الموت.
لكننا لسنا الموت.

نعم، هُدمت بيوتنا.
لكننا لسنا الركام.

نعم، فقدنا أحبة.
لكننا لسنا أرقامًا.

نعم، عشنا الحرب.
لكننا لا نريد أن تكون الحرب تعريفنا الوحيد.

نحن شعب له تاريخ قبل الحرب، وحياة قبل الحرب، وثقافة قبل الحرب، وأحلام قبل الحرب، وسيكون له مستقبل بعد الحرب.

وهذه الرسالة يجب أن يحملها المؤثر الفلسطيني.

ليس مطلوبًا منه أن يكون سياسيًا طوال الوقت.

ولا أن يكون محللًا عسكريًا.

ولا أن يحفظ الشعارات.

أحيانًا، ربما يكون أقوى ما يمكن أن يفعله هو أن يحكي عن جدته.

عن طبق فلسطيني.

عن أغنية.

عن مدينة.

عن شجرة زيتون.

عن شارع.

عن ذكرى طفولة.

عن حلم بسيط كان يراوده.

لأنك حين تحفظ تفاصيل الإنسان، فإنك تحفظه من الاختزال.

والاحتلال لا يحاول فقط أن يهدم الحجر؛ الرواية أيضًا ساحة للصراع.

ومن يملك القدرة على تعريف الناس بنا، يملك جزءًا من المعركة.

لهذا أقول:

لا تستهينوا بالمؤثر الفلسطيني.

لا تنظروا إلى هاتفه وكأنه مجرد شاشة.

وراء كل متابع فرصة لأن يعرف فلسطين بطريقة لم يعرفها من قبل.

كل فيديو يمكن أن يصحح صورة.

كل قصة يمكن أن تكسر stereotype.

كل مقابلة يمكن أن تفتح سؤالًا.

كل شخص أجنبي يتغير فهمه لفلسطين هو مساحة جديدة تُنتزع من الجهل.

هذه ليست رفاهية.

هذه مسؤولية.

نحن بحاجة إلى جيل من المؤثرين الذين يعرفون أن فلسطين ليست مادة موسمية، تظهر عندما تبدأ الحرب وتختفي عندما تخفت الأخبار.

نحتاج إلى من يتحدث عنها في السلم كما يتحدث عنها في الحرب.

في الحياة كما في الموت.

في الثقافة كما في السياسة.

في الطعام كما في التاريخ.

في الموسيقى كما في المأساة.

لأن فلسطين التي لا نعرفها نحن، سيأتي آخرون ليعرّفوها لنا.

وفلسطين التي لا نرويها نحن، سيأتي آخرون ليكتبوا نهايتها نيابة عنا.

ولهذا لا أريد جيوشًا إلكترونية مهمتها أن تصرخ في العالم: “أنقذونا”.

أريد جيوشًا تقول:

“اسمعونا.”

اسمعوا كيف نتحدث.

اسمعوا كيف نضحك.

اسمعوا كيف نحكي عن أمهاتنا.

اسمعوا أسماء قرانا ومدننا.

اسمعوا تاريخنا.

اسمعوا شعرنا وموسيقانا.

اسمعوا شهادات من عاشوا الإبادة.

اسمعوا من فقدوا كل شيء وما زالوا يقولون إنهم يريدون السلام.

اسمعوا الفلسطيني قبل أن تحكموا عليه.

هذه، في رأيي، واحدة من أهم المعارك التي يجب أن نخوضها اليوم.

ليس لأننا نريد أن نستدر عطف العالم.

بل لأننا نريد أن نمنحه الحقيقة.

ولأننا لا نريد أن يبقى الفلسطيني حاضرًا في وعي العالم فقط عندما يكون ميتًا أو جريحًا أو محتاجًا.

نريد أن يعرفه العالم حيًا.

وهنا تبدأ الرواية.

وهنا يبدأ دور المؤثر الحقيقي.

أن يجعل العالم يعرف الفلسطيني قبل أن يبكي عليه، ويفهم فلسطين قبل أن يتعاطف معها.

فنحن لسنا بحاجة إلى من يتحدث عن فلسطين بدلًا منا.

نحن بحاجة إلى أن نمتلك نحن الميكروفون.

وأن نروي الحكاية كاملة.

لا نصفها.
لا النسخة التي تخدم الآخرين.
ولا النسخة التي تبدأ بالموت وتنتهي بالتبرع.

بل الحكاية التي تقول ببساطة:

كان هنا شعب.
ما زال هنا شعب.
وسيظل هنا شعب.
وله اسم، وله ذاكرة، وله ثقافة، وله أرض، وله حكاية.

ونحن أصحاب هذه الحكاية.